فهرس الكتاب
وكذلك دعواهم أن قوله تعالى: (( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ) [التحريم:4] يدل على كفر عائشة وحفصة رضي الله عنهما؛ لأن قراءتهم: (فقد زاغت قلوبكما) ، والزيغ: الكفر ( [69] ) دعوى باطلة أيضًا؛ لأن الزيغ هو الميل، وعائشة وحفصة رضي الله عنهما قد مالت قلوبهما إلى محبة اجتناب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته، وتحريمها على نفسه، أو مالت قلوبهما إلى تحريم الرسول لما كان حلالًا له كالعسل مثلًا، والله سبحانه وتعالى قد دعاهما إلى التوبة بقوله: (( إِنْ تَتُوبَا ) ) [التحريم:4] : فلا يظن بهما أنهما لم يتوبا مع ما ثبت من علو درجتهما وأنهما زوجتا نبينا في الجنة ( [70] ) ، فقد كان عمار بن ياسر رضي الله عنهما يحلف بالله أن عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله في الدنيا والآخرة ( [71] ) .
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلق حفصة وقال له: «إن الله يقرئك السلام ويقول: إنها لزوجتك في الدنيا والآخرة فراجعها» ( [72] ) .
ويقال لهم أيضًا: إن دلالة قوله تعالى: (( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ) [التحريم:4] على الذنب ليس بأقوى من دلالته على طلب التوبة وحصولها، فلماذا وقفتم عند وقوع الذنب ولم تتعدوا ذلك إلى طلب التوبة وحصولها؟ فإن قلتم:يحتمل عدم توبتهما، فقولوا في توبة علي رضي الله عنه من خطبة ابنة أبي جهل -والتي كانت سببًا في غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنه ارتقى المنبر وأعلن ذلك ( [73] ) مثل ما قلتم في توبة عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وعلي رضي الله عنه قد ترك الخطبة، فلا يظن به أنه تركها في الظاهر فقط، بل نعتقد: أنه تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه، وكذلك الظن بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، والذنب يغفر ويعفى عنه بالتوبة، والندم توبة.