فهرس الكتاب
وقد تقدم أن المفيد الملقب عندهم بشيخ الطائفة أكّد أن عائشة هي المفترية على مارية، وأن هذا هو الصحيح المسلم عند الشيعة. وقد علل الشيعة أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا بقتل جريح القبطي دون أن يثبت من جرمه بما أسنده القمي إلى جعفر الصادق، وفيه أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عليًا بقتل القبطي لم يكن عن عزيمة بدليل مراجعة علي له في أمر القتل، وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك لترجع عن ذنبها، فما رجعت ولا أشتد عليها قتل رجل مسلم بكذبها ( [125] ) . على حد القول الذي نسبوه إلى الصادق.
إذًا: هذا هو أحد أسباب إقامة الحد على عائشة رضي الله عنها -كما زعم الشيعة - وللقائل أن يقول: لماذا لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحد وقد عرف افتراءها، وهو القائل لما سألوه إسقاط الحد عن المرأة المخزومية التي سرقت: «لو كانت فاطمة لقطعت يدها» ( [126] ) ، وكان لا يقبل الشفاعة في حد من حدود الله، فكيف لا يقيم حدًا ثبت أمامه فيه رمي لمحصنة غافلة؟ ولماذا لم يقم علي عليها الحد في أيام خلافته؟
أجاب الشيعة على هذا بما أسنده الكليني والصدوق إلى جعفر الصادق، وابن رستم الطبري والبرقي إلى أبي جعفر الباقر، أنهما قالا -واللفظ عن الكليني: (إذا تمنى أحدكم القائم فليتمنه في عافية، فإن الله بعث محمدًا رحمة ويبعث القائم نقمة) ( [127] ) .
وقد فهموا من كونه صلى الله عليه وسلم بعث رحمة: أنه يسقط الحدود ولا يقيمها، مع أن المتواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقيم الحدود ولا يسقطها عن أحد ولو كان ابنته، وأنه لا يقبل الشفاعة فيها، وليس إقامة الحدود نقمة حتى يبعث الله عز وجل القائم بها، بل فيها الرحمة والحياة، قال تعالى: (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) ) [البقرة:179] .