إن جوهر حضارة الأعمال الإسلامية هو أن جميع عناصرها لا تتضارب مع الشريعة السمحاء، بل تتناغم مع هذه المبادئ وتراعيها إلى أبعد الدرجات المستطاعة. فهذا واضح تمام الوضوح في ضرورة تجنب المحرمات كالقمار أو المسكرات أو الكذب والتحايل في المعاملات التجارية.
ولا يتوقف الأمر عند تجنب المعلومات والابتعاد عنها، إنما يمتد كذلك إلى تبني الأمور المستحبة وتحاشي المكروهات قدر المستطاع. وبشكل عام يمكن القول أن أسس الإدارة الحديثة تتناغم على نحو ساطع مع الشريعة السمحاء، الأمر الذي يعزز لدى المسلمين مكانة دينهم وعمق التشريع الإلهي وصلاحيته لجميع الأطوار والمراحل.
غير أن مصيبة المسلمين الكبرى هي جهلهم بدينهم وابتعادهم عن جوهره على صعيد الممارسة التطبيقية والمعاملات اليومية. ولكل هذا فقد آن الأوان لأن يعيد المسلمون اكتشاف ما ينطوي عليه دينهم الواسع والشامل من عناصر تمكنهم من بلوغ درجات شاهقة من العلو في ميادين العمل والإنتاج كافة، رغم أن ذلك يتطلب أيضًا حنكة وعمقًا وصبرًا من جانب عموم المسلمين، خصوصًا من زعمائهم في الميادين الروحية والمال والتجارة والتعاون الاجتماعي.
فالإسلام يحول دون هدر الثروات والطاقات عن طريق تحريم بعض الأنشطة غير المنتجة والضارة كالقمار والمسكرات، حيث يساهم ذلك في تخصيص الموارد نحو النشاطات المنتجة والمثمرة خيرًا للمجتمع. كما أن إصرار الإسلام على التشاور والتسامح ورعاية الضعيف وإعطاء كل ذي حق حقه يساعد ويدعم باتجاه قيام كيانات اجتماعية متماسكة ومنسجمة مع ذاتها، مع بلورة علاقات شخصية طيبة ومستقرة بين أفراد المجتمع الواحد.
ولكل ذلك فإن التطبيق العقلاني للمبادئ الإسلامية على صعيد منشآت الأعمال هو لخير هذه المنشآت ويدعم ازدهارها وثباتها وتحقيق المزيد من الأرباح لصالحها. وفي الوقت نفسه، هناك منافع مهمة للمشتغلين عن طريق تهيئة الرفاه والاستقرار لهم، مثلما يساهم ذلك في رقي المجتمع بأسره، فضلًا عن المثوبات في الحياة الآخرة.
إن حضارة الأعمال الإسلامية يجب أن تنعكس على صعيد المنشأة الواحدة من خلال تعيين أهدافها العليا والفرعية ورسم استراتيجياتها العامة والتخصصية. فالأهداف العليا غالبًا ما تتناول مسألة الأرباح المراد تحقيقها على مديات مختلفة، مثلما قد تتطرق إلى المبيعات أو النمو أو الحصص السوقية.
أما الاستراتيجيات فتوضع لبيان الأطر أو المساك العامة لبلوغ الأهداف المنشودة، أي أن الاستراتيجيات توضح الأساليب المراد اعتمادها لتحقيق الأهداف. ويمكن الحديث عن الاستراتيجيات على صعيد المنشأة الواحدة، مثلما يمكن تناول الاستراتيجيات على الأصعدة المتخصصة كالتسويق والتمويل والإنتاج والعلاقات العامة داخل المنشأة الواحدة.
ولا شك في أن إدارة المنشأة حينما تتبنى الحضارة الإسلامية، فهي تعمد كذلك إلى تعيين أهداف ورسم استراتيجيات من منطلقات إسلامية. فأية حضارة تستند إلى مفاهيم أساسية، والواضح أن أي مفهوم ضار للمجتمع لا يمكن أن ينسجم مع الإسلام.
فمثلًا، كثيرًا ما تعمد منشآت الأعمال في العالم الغربي لإعداد استراتيجيات تبغي تحطيم المنشآت المنافسة وفشلها حتى يخلو السوق للمنشأة الأولى، التي تصبح لديها حينئذ قدرات احتكارية تمكنها من تقليل الناتج وتصعيد الأسعار لغرض تعظيم الأرباح. فهنا تقوم المنشأة بخفض أسعارها وتعظيم الترويج أثناء الأمد القصير من أجل كسب موقع احتكاري على المدى المتوسط أو الطويل.
ففي الوقت الذي يبيح الإسلام لمنشآت الأعمال أن تنافس فيما بينها، فهو لا يسمح لاعتماد أساليب خادعة أو ملتوية لإلحاق الضرر بالآخرين وبالمجتمع بأسره. والواضح أن مثل هذه الأضرار تعرقل النمو التقدم البشري بكامله، وقد جعل الإسلام الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يراقبه الآخرون ليضبطوا تصرفاته ويحدوه عن الانزلاق والإساءة.
ويأتي إعداد الخطط والبرامج على صعيد أكثر تفصيلًا، فكما أن الاستراتيجيات تشتق من الأهداف، فإن الخطط والبرامج تفصل الكيفيات التي يراد عن طريقها تنفيذ الاستراتيجيات. فمثلًا قد توضع خطة لدخول سوق قطري جديد، أو خطة لتصميم وطرح منتوج جديد، كما أن إعداد ميزانية لفترة مقبلة هو أيضًا بمثابة خطة أو برنامج لفترة قادمة.
وكما أن الحضارة الإسلامية إن وجدت حقًا تؤثر أثرها على الأهداف والاستراتيجيات، فهي لابد أن تنعكس كذلك على الخطط والبرامج. فالمبادئ الإسلامية تطبع العلاقات الداخلية ضمن المنشأة، مثلما تقولب وتصيغ علاقات المنشأة الخارجية مع الزبائن والمجهزين والمجتمع المحلي والحكومة.
فعلى الصعيد الداخلي، تبرز المعاملات المتشربة بروح الإسلام بطرق عديدة، منها التشاور الحقيقي بين الأفراد والدقة في إنجاز الأعمال والحرص على عدم إضاعة الوقت والسعي الدؤوب لضبط التلف ومنع التبذير وتحديد الأجور والمرتبات على نحو عادل. وعلى الصعيد الخارجي، فإن المنشأة الإسلامية بمعناها العميق تأخذ جميع معاملاتها وعلاقاتها بجد، وتنظر إلى المستقبل البعيد، وتحرص تمامًا على بناء علاقات تتسم بالثقة العالية وتحقق مصالحًا متبادلة للجانبين.
وفي هذا السياق، فإن ما يدعو له الإسلام لا يتناقض مع الإدارة العلمية والعصرية التي تميز منشآت الأعمال الناجحة. فمثل هذه المنشآت تنظر باعتزاز بالغ اتجاه زبائنها ومجهزيها وبقية الجهات الخارجية المتعاملة معها، حيث تعتبر هذه الجهات المصدر المباشر لمبيعاتها وأباحها. ومن هذا المنطلق، فإن هناك جهدًا مكثفًا لبناء الثقة المتبادلة ولإرساء التعاون على أسس متينة وطويلة المدى من خلال نبذ الغش