الصفحة 4 من 5

بالإضافة إلى تعيين أجور العاملين والإشراف على أعمالهم وتوجيههم وتطوير قدراتهم وتهيئة الخدمات والرعاية لهم.

وقد وضع الإسلام جملة من الأسس ذات الصلة في هذا الحقل. فبعض هذه الأسس يتصل بتحديد المكافآت المالية وعدالتها، بينما يمتد البعض الآخر إلى مسائل أخرى، لا سيما التعامل بإنصاف معهم وتنمية قدراتهم وإرشادهم من النواحي المهنية والاجتماعية والنفسية.

ولا شك في أن إدارة شؤون الأفراد تتداخل بقوة مع وظائف المنشأة الأخرى من إنتاج وتسويق ومالية وغيرها، لأن المهام المتصلة بالأفراد تطبع بشدة مستوى الأداء في تلك الوظائف. فالانتقاء السديد للأفراد وحسن تدريبهم وتحفيزهم الفاعل، كل هذه أمور لها وقعها الإيجابي في تحقيق الاستراتيجيات والخطط في ميادين الإنتاج والمال والتسويق.

ومن هنا نفهم اهتمام الإسلام القوي بالجانب البشري وحرصه المشهود في كسب ولاء المشتغلين وتحفيزهم نحو أداء أفضل. ومرة أخرى وضع الإسلام إطارًا عامًا للتصرف في هذا الشأن، فضلًا عن أنه ركز على القناعة الشخصية ورادع الضمير الإنساني عن طريق التركيز على إثابة العمل الخير ورضاء الباري عز وجل والتعامل مع البشر برفق بالغ.

إن أية وظيفة تبرز بقوة كنشاط رئيسي بسبب طبيعة أعمال المنشأة والبيئة المحيطة بها لابد أن يفرد لها قسم مستقل للاضطلاع بها. ولهذا نجد في حالات غير قليلة ان هناك دائرة رئيسية للعلاقات العامة أو للشراء أو للهندسة أو للنقل وهكذا.

ومهما تكن طبيعة هذه الوظائف الأخرى، فإن إنجازها على نحو منسجم مع الإطار الإسلامي يعد ركنًا رئيسيًا من أركان المنشأة الإسلامية. فمن جهة هناك الأمور المحرمة والمكروهة بموجب ما ورد في كتاب الله وسيرة النبي وآله الأطهار والاستنباطات المنطقية للأحكام الفقهية، ثم هناك النص الرئيسي على أن يحكم المرء عقله ويتجنب كل ما هو مخالف لما يمليه عليه العقل والضمير، مع التذكر الدائم لمثوبة الجنة وعقاب النار في الحياة الآخرة.

لا شك في أن الأوضاع الحاضرة تنطوي على تحديات كبرى أمام المنشأة التي تريد الالتزام بمبادئ الإسلام الجليلة وروحه السامية. فبسبب العناصر العديدة المناقضة للإسلام التي تحتويها حضارة الأعمال المعاصرة، يجب على منشأة الأعمال الإسلامية تلمس طريقها وموقعها بعناية كي لا تتورط في أمور محرمة.

وهنا تقع مسؤولية خطيرة على عاتق زعماء المسلمين، سواء كانوا قادة روحيين أو في مجال الأعمال والمال والاقتصاد أو في مجالات أخرى. فمن جهة، يمثل نجاح منشأة الأعمال الإسلامية برهانًا ساطعًا على الطبيعة التطبيقية للدين الحنيف وقيمته الواقعية في إحراز التقدم للمجتمعات المسلمة أينما وجدت ومهما كانت طبيعة البيئة العامة المحيطة بالمسلمين.

أما من الجهة الأخرى، فإن تطوير أداء المنشأة الإسلامية لابد أن يكون تدريجيًا، كما أن السعي أثناء الأمدين القصير والمتوسط يجب ان يتركز على تقليص عنصر الحرام إلى أدنى حد مستطاع. فالمنشأة الإسلامية التي غالبًا ما تمتد عملياتها عبر الحدود الدولية لا يمكنها الالتزام بمبادئ الشريعة في كل صغيرة وكبيرة، خصوصًا حينما تتعامل مع جهات غير مسلمة. غير أن التقدم بخطى حثيثة نحو مزيد من الأسلمة على صعيد المنشأة الواحدة وعلى المستوى الاجتماعي العام يعد أمرًا في غاية الأهمية.

ففي الحقل المالي، هناك أساليب وطرق لابد من الابتعاد عنها لتحل محلها الوسائل المباحة شرعًا. غير أن مجمل الأطر المالية القائمة تجعل هذا الأمر مهمة عسيرة، إذ لم تتبلور حتى الآن الركائز اللازمة لما يمكن أن يدعى بـ «إطار مالي إسلامي» يسمح لمنشأة الأعمال أن تتجنب بسهولة جميع الوسائل المالية المنافية للشريعة.

فهذه المشكلة تتضح بجلاء على صعيد المعاملات الخارجية، حيث ينتشر تطبيق مبدأ الفائدة الثابتة. كما أن الأنظمة المالية في داخل الأقطار المسلمة ما تزال بعيدة كل البعد عما يمكن أن يوصف بأنه «نظام مالي إسلامي» ، إذ يستشري الاعتماد على الربا، مثلما تسود مظاهر الرشوة والتحايل وطمس الحقائق.

ولكل هذا، فإن إحدى المهام الرئيسية في هذا الصدد هي تطوير وتوسيع الركائز المالية المبنية على أسس شرعية كي تعوض تدريجيًا عن الركائز والمؤسسات غير الإسلامية. فمثلًا من الضروري لمنشأة الأعمال الإسلامية أن ترى إمكانية التعامل مع مصارف إسلامية وأسواق مالية إسلامية حيث يمكنها الاقتراض والإيداع وبيع اسهم إضافية وتمويل فعاليات خارجية دون الركون إلى الطرق الربوية.

وهناك تحديات رئيسية أيضًا في مضماري الإنتاج والتسويق. فالعديد من العناصر المصنوعة من قبل أية منشأة قد تدخل في إنتاج سلع محرمة سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن تدبير الاحتياجات التي تتطلبها المنشأة المسلمة قد يشوبه صعوبات شرعية، خصوصًا إن جرى ذلك عن طريق منشآت تتعاطى منتجات أو خدمات محرمة، أو تستخدم طرقًا في التسويق أو الإنتاج تعتبر منافية للشريعة.

وعلى الصعيد التسويقي، يبرز التحدي كذلك في تجنب أية إشكالات شرعية، بينما يجب التنافس في الوقت نفسه مع الشركات التي لا تمتنع عن ولوج الطرق المحرمة. فالمنشآت التي لا تتقيد بأحكام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت