كما لا يجوز للمسلمين في بلاد غير المسلمين التهرب من دفع الضرائب، بالتملص من القوانين المطبقة في بلادهم، لما فيه من الغش والكذب والغدر، وكل ذلك من المحرمات شرعا مطلقا، فكذلك تضليل الضريبة، بإخفاء الحسابات والدفاتر الحقيقية، وإظهار حسابات ودفاتر مزورة، توصل إلى الإعفاء أو التخفيف من الضرائب المفروضة قانونا، لأن ذلك من المحرمات شرعا بين المسلمين وغير المسلمين، في دار الإسلام أو في غير دار الإسلام على سواء، ولأن الضرائب التي تفرضها القوانين الأجنبية في بلادها يجب على المسلمين المقيمين في تلك البلاد دفعها كاملة برضا نفس، خُلُقًا ودِينا، لأنها مشروطة عليهم حكما عند دخولهم تلك البلاد بإذن خاص من القائمين عليها، ومخالفة ذلك غدر وخيانة وكذب وغش وتدليس وتزوير، وكل ذلك من المحرمات المنافية لأخلاق المسلمين، وشريعة المسلمين، كما أنه يلحق بالمسلمين شينا، الإسلام براء منه، وما دخل الإسلام إلى كثير من بلدان الشرق سابقا، ويدخل لاحقا، إلا عن طريق صدق التجار المسلمين الذي ذهبوا إلى تلك البلاد، وتعاملوا فيها مع أهلها، بصدق وأمانة، فيكون في تغيير هذه الصفات الإسلامية العالية تفويت الفرصة على سكان تلك البلاد من التعرف على الإسلام، وذوق حلاوته عن طريق سلوك المسلمين، وذلك ظلم كبير لم يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من أجله، فهو رحمة للعالمين، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) .
ما تقدم هو الحكم الإسلامي في الاستثمار خارج الدول الإسلامية، من الناحية الموضوعية، وفق الأحكام الأساسية للشريعة الإسلامية.
إلا أن هنالك أحكاما أخرى لهذا الاستثمار، مصلحيَّة، متعلقة بمدى جدواه ومنافعه، أو سلبياته ومضاره، على المجتمع الإسلامي عامة، فقد يلحق هذا الاستثمار بالمجتمع الإسلامي العام أضرارا أو سلبيات، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ... .، وقد يعود عليه بمنافع وإيجابيات، في كل ما تقدم أو بعضه، فيكون ممنوعا شرعا في الحالات الأولى، ومشروعا في الحالات الثانية، وفق ما يحققه من مصالح، أو يجرُّه من مضار، على المجتمع الإسلامي العام، وهذا حكم يقدره علماء الأمة وقادتها وأمراؤها، الصادقون المخلصون، وهو أمر متغير من زمان إلى زمان، ومكان إلى مكان، بحسب مقتضيات الحال، ولا يكون حكما دائما لا يتغير.
فربما قوى هذا الاستثمار للأموال الإسلامية في الدول الأخرى هذه الدول، فاستعانت به على عداوتها للإسلام، أو عداوتها لبعض الدول الإسلامية، وربما قوت به هذه الدول أعداء المسلمين، بالسلاح أو غيره.
وربما كان هذا الاستثمار في الدول غير الإسلامية ضروريا لحياة المسلمين في بلادهم، أو ضروريا لتنمية اقتصادهم، أو تأمين الضروريات لهم، كل ذلك وارد وممكن، وهو محل تقرير مشروعية هذا الاستثمار، أو عدم مشروعيته.
يتبين ممن تقدم أن المسلمين تجارا وغير تجار، ملتزمون بالأخلاق الإسلامية، والشرائع والأحكام الإسلامية، في كل تعاملاتهم، في أي البلاد كانوا، وأنهم منفتحون على التعامل مع كل الناس، على اختلاف مللهم ودياناتهم وأعراقهم ولغاتهم، بصدق وأمانة واستقامة، لا تأخذهم في ذلك لومة لائم. وذلك قمة الحضارة والتقدم والرقي، وهي صفات المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا.