والسلطان {مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال {كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} فَزَهَا وازدهر واخضرّ وأنظر، فأعجب أصحابه، وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه. وفجأة أتاه أمر الله برياح لاحِفَة، محرقة، {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا} أي يابسًا متهشمًا متكسرًا {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} هنا وهناك {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} أي قادرًا كامل القدرة، فأصبح أهل الدنيا مبلسين آيسين من كل خير [1]
وأخبرنا الله عز وجل عن المال والبنون بقوله {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46]
بعد أن ضرب الله المثل للحياة الدنيا التي غرت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك أخبر بحقيقة أخرى، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن {الْمَالُ وَالْبَنُونَ} أو الأولاد {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} لا غير أي يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، بحيث يصبحان همَّ الإنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإيمان وصالح الأعمال [2]
وأخبرنا الله عز وجل عن السحرة لما آمنوا وتوعدهم فرعون بما توعدهم قالوا عند ذلك
{قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:72] ومعنى الآية {لَنْ نُؤْثِرَكَ} فنتبعك ونكذب من أجلك موسى {عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} يعني من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى {وَالَّذِي فَطَرَنَا} خلقنا وقوله {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} يقول: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} يقول: إنما تقدر أن تعذّبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى [3] فأشاروا لفرعون بالحصر والقصر إنما تقضي هذه الحياة الدنيا استقلالًا لشأنها.
وقال الله عز وجل عن مؤمن آل فرعون وهو ينصح قومه {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر:39] .
(1) - أيسر التفاسير للجزائري، 3/ 261.
(2) - أيسر التفاسير للجزائري، 3/ 261
(3) - تفسير الطبري،18/ 341.