وقد كفر علماء السلف من رد صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى مهما كانت هذه الصفة كما فعل خالد بن عبد الله القسري أمير واسط عندما نفى الجعد بن درهم صفة الحب والمخالة عن الله تبارك وتعالى .. فقتله خالد بن عبد الله القسري أمام الناس في يوم أضحى قائلًا (أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا) ، وكذلك أفتى الإمام أحمد بن حنبل بكفر جهم بن صفوان ومن شايعه ممن نفوا صفة العلو عن الله تبارك وتعالى وكتب رسالته المشهورة (الرد على الزنادقة) فسمى الذين نفوا صفة العلو بأنهم زنادقة. وأما الإمام أبوحنيفة رحمه الله فقد كان أشد من هؤلاء جميعًا في تكفير من نفى صفة لله عز وجل.
يقول صاحب شرح العقيدة الطحاوية(روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بسنده إلى مطيع البلخي أنه سأل أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال قد كفر لأن الله يقول {الرحمن على العرش استوى} ، وعرشه فوق سبع سماوات.
قلت فإن قال إنه على العرش ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر) [شرح الطحاوية من 322، 323] .
ولا شك أن نفي صفة اليد عن الله تبارك وتعالى كفر لمن جحد ذلك لأن الله أثبت ذلك لنفسه في آيات كثيرة كقوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} ، وقوله تعالى لإبليس {قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين} ، وآيات كثيرة أخرى.
وكذلك جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والماء والثرى على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} ) [اللؤلؤ والمرجان رقم 1774] .
وأحاديث كثيرة لا تحصى كثرة تثبت صفة اليد لله سبحانه وتعالى في كل دواوين الإسلام في الصحيحين والسنن والمسانيد ..
ولا شك أن جاهل هذه الصفة جاهل، وجاحدها كافر، والإيمان بها واجب على نحو الإيمان بصفات الله كلها دون تشبيه أو تحريف، كما قال الإمام مالك في كلمته المشهورة عندما سأله سائل {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟ فقال الاستواء معلوم، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة!
ويعني بالسؤال عنه أي الكيفية لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى وأما الاستواء فقد مدح الله به نفسه في سبع آيات من القرآن فإثبات ذلك والعلم به واجب وإنكار هذا كفر ولكن كيفية الاستواء لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وكذلك اليد لا يعلم ذلك إلا الله كما قال عنه نفسه جل وعلا {ولا يحيطون به علمًا} ، وأما الإيمان بما وصف الله نفسه فواجب على كل مسلم.
القرآن كله بيان لصفة الله
وأما قول القائل في درسه إن القرآن لم يتعرض إلا قليلًا لصفة الله فجهل عظيم لأن القرآن كله بيان لصفة الله عز وجل فهو إما إخبار عن ذات الله وصفاته، أو عما صنعه بأوليائه من الرسل والمؤمنين، وهذا بيان أفعاله وإكرامه وإحسانه، أو عما أحله بأعدائه وهذا من صفاته، فالقرآن من أول بسم الله الرحمن الرحيم إلى {من الجنة والناس} كله بيان لصفات الله سبحانه وتعالى.
الكلام في الأصول أشد خطرًا من الكلام في الفروع
وبعد فإذا كان صاحب الكلمة المشار إليها آنفًا يتورع أن يفتي في الفروع أو يجتهد فيها، ويرى عليه لزامًا إتباع مجتهد أو تقليد عالم فقد كان الأولى به أن يصنع ذلك في أصول الدين ومسائل الإيمان لأن أصول الدين ومسائل الإيمان أشد خطرًا فهي التي ينبني عليها الكفر والإيمان فما سند القائل من أن توحيد الأسماء والصفات ليس مهمًا، ولم يتكلم من السلف الصالح في القرون الثلاثة الأولى؟!