الصفحة 5 من 11

زعم الذي أنكر توحيد الأسماء والصفات أو جهله أن هذا النوع لو كان هامًا ويتوقف عليه كفر وإيمان لما جهله وضل عنه أناس فاضلون وعلماء أجلاء شهد لهم المسلمون بالخير والفضل .. والذي قاله هذا أصل عظيم من أصول الضلال والباطل، وذلك أن الحق هو ما قرره الله ورسوله، وكل ما خالف الحق فباطل لقوله تعالى {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} فإذا شهدنا وعلمنا أن عقيدة ما، أو قولًا ما هو الحق وأن هذا ما قرره الله ورسوله وجب علينا أن نشهد بما شهد به الله ورسوله، ولو خالف ذلك من خالف، وذلك أن لا أحد معصوم عن الخطأ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، والعالم المجتهد معذور فيما خالف فيه الحق سواء كان متأولًا أو مجتهدًا أو ناسيًا، أو جاهلًا بدليل ما أو حكم ما.

ولا يجوز لمسلم استبان له الحق أن يتركه لقول قائل كائنًا من كان هذا القائل ولو فعل لكان ضالًا معرضًا عن كلام الله وكلام رسوله.

المتأول المجتهد معذور

ولكن المسلمين مجمعون على أن المتأول المجتهد معذور في اجتهاده وتأويله ما دام أنه مريد للحق ساع إليه وسواء كان اجتهاده وتأوله في أمور الاعتقاد أو أمور العمل. ولو أن كل مسلم طلب منه أن يفهم الحق على حقيقته، وأن يعلم حكم الله في كل مسألة لكان هذا تكليفًا بما لا يطاق، والحال أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

فإذا كان العالم مريدًا للحق ساعيًا إليه وأخطأ بتأويل أو اجتهاد فإنه معذور عند الله سبحانه وتعالى وهذا ما أجمعت الأمة عليه عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) [رواه البخاري ومسلم] . ولقوله تعالى {وما كان الله ليعذب قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} ، ولقوله تعالى {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} .

يقول ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى ص282 ج3) (ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم) .

واستطرد رحمه الله قائلًا (والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم وإذا كان هؤلاء الذين قد ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسولهم صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفة الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإذا كانت فيها بدعة محققة) .

وقال أيضًا رحمه الله (وإذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التفكير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وهذا في الصحيحين.

وفيهما أيضًا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة إنك منافق تجادل عن المنافقين. واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم؛ إنك منافق، ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا ذاك، بل شهد للجميع بالجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت