زعم المبطلون أن العناية بتثبيت أركان العقيدة، والدفاع عن حوزتها، ودفع شبهات الضالين والمنحرفين حولها. زعموا أن هذا مشغلة للمسلمين وانحراف عن السبيل، وغلو مذموم.
ولم يكتفوا بذلك بل تطاولوا على كتب علماء السنة فعرضوا بكتاب العقيدة الطحاوية، وبكتاب العقيدة الواسطية وجعلوا الانشغال بهذه الكتب وأمثالها مفسدة وضلالًا وتشددًا وتنطعًا.
والحال أنها كتب عصم الله بها أجيال المسلمين المهتدية على مدى القرون السالفة من الشرك والوثنيات التي حدثت بعد عصر النبوة ولبست لباس الإسلام.
وإمعانًا من هؤلاء المبطلين في الكيد والتضليل زعموا أن طريقة القرآن ليست كذلك موهمين الناس أن القرآن لم يتعرض لبيان العقيدة ومناقشة المبطلين والرد على الشبهات، ولما كان عامة الذين يرددون مثل هذه الأقوال ممن لا فقه لهم بقرآن ولا سنة، ولا بسيرة الصحابة والسلف الذين عاشوا عمرهم مدافعين عن عقيدة الإسلام من انتحال المبطلين، وتأويل المفسدين ولذلك أحببت هنا أن أبين جانبًا من منهج القرآن في الرد على شبهات المعاندين وتثبيت دعائم الإيمان لدى المؤمنين.
أولًا القرآن وثيقة عقائدية
أعلم أخي أن القرآن يكاد يكون بكامله وثيقة عقائدية لم يترك أهل ملة ودين ممن عاصر نزوله إلا وناقشهم في معتقدهم، وأجاب على تساؤلاتهم، وفند أقوالهم وقد كان منهج القرآن في تثبيت عقيدة الإسلام على شعبتين.
الأولى؛ الإخبار المجرد عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كقوله تعالى عن نفسه {الله لا إله إلا هو الحق القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} .
وقوله تعالى {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون} ، وقوله تعالى {قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد} .
وكذلك قوله عن الملائكة {الحمدلله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ... الآية} .
وكذلك وصفه وإخباره عن رسله وكذلك عن يوم القيامة وما يكون فيه.
وأما الطريق الآخر الذي سلكه القرآن في تثبيت دعائم العقيدة؛ فهو هذه الردود الكثيرة على شبهات الضالين فقد ناقش القرآن الكفار من مشركي العرب في عقائدهم ورد على شبهاتهم، وكذلك ناقش النصارى واليهود، والملاحدة، في عقائدهم ورد عليهم وأبطل دعاويهم وادعاءاتهم سواء فيما يختص بصفات الله سبحانه وتعالى أو ما يختص بملائكته، أو رسله أو قضائه وقدره، فلما نسب مشركو العرب الولد لله فقالوا الملائكة بنات الله وكذلك فعل النصارى في عيسى، وفعل اليهود في عزير قال تعالى ردًا عليهم {وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ... الآيات} .
وزعم الكفار أن الله عاجز عن إحيائهم بعد الموت فقال تعالى {وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه وقال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .. الآية} .
واتهم اليهود الله بالبخل فقالوا {يد الله مغلولة} فقال تعالى ردًا عليهم {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} ، وقالوا أيضًا نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا فقال تعالى {بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} .
ولما زعم كفار العرب الشفاعة للملائكة والأصنام قال تعالى {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ، وقال تعالى {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} .
ولما احتجوا بالقدر علم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم طريقة الرد عليهم فقال تعالى {سيقول الذين كفروا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة ... الآية} .
ولو قرأنا القرآن متدبرين لوجدنا في سورة البقرة وحدها مائة وستين آية في الرد على شبهات اليهود العقائدية.
وفي آل عمران جاءت معظم السورة في الرد على شبهات النصارى، والمشركين.