وفي النساء والمائدة مع أنهما من سور الأحكام إلا أنهما مليئتان بالرد على اليهود والنصارى، وعامة شبهاتهم في العقيدة وفيها كذلك الرد على المنافقين الذين ظنوا جواز اتباع الإسلام في العبادات، والتحاكم إلى غيره في المعاملات فبين تعالى كفر من زعم ذلك وحكم بأنه لا إيمان إلا بإخلاص الطاعة لله ووجوب التحاكم في كل شجار إلى حكمه وحكم رسوله، كما قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} .
والمهم من كل ذلك هو ذكر إشارات وتنبيهات فقط أن القرآن وثيقة عقائدية إيمانية، وقد ذكر بعض العلماء أن آيات الأحكام العملية مائتا آية فقط، وباقي القرآن الذي يربو على ستة آلاف آية كلها في مناقشات عقائدية.
ولا شك أن القرآن ناقش العقائد الموجودة في وقته وما سيزعمه الناس بعد وقت نزوله، ورد على كل العقائد الباطلة المعاصرة لوقت النزول، وهكذا أيضًا جادل رسول الله المشركين واليهود والنصارى، والسنة مليئة بمناقشات الرسول وجداله لليهود والمشركين والنصارى.
جهاد السلف في مجال العقيدة
وهكذا أيضًا فعل سلف الأمة الصالحون فعندما خرجوا من هذه الجزيرة اصطدموا بطوائف وملل كثيرة كالمجوس والزنادقة والفلاسفة الملحدين أو ما يسمونهم بالإلهيين، ويخطيء من يظن أن السيف الإسلامي هو الذي حسم المعركة وحده مع كل أولئك وأن انتصار المسلمين بالسيف قضى على تلك العقائد بل كانت هناك معارك مصاحبة ومتوازية مع معركة السيف وهي معركة القلم والعلم والقرآن والعقيدة انتصر فيها علماء المسلمين على دعاة الوثنية والمجوسية، والزندقة والإلحاد، ألفت الكتب الكثيرة في الرد على كل انحراف ينشأ في المسلمين تأثرًا بهذه الملل الكافرة، أو على هذه الملل بذاتها.
مذاهب الكفر والزندقة المعاصرة
ويخطيء من يظن أيضًا أن عقائد الزنادقة، والمجوس والوثنية وسفسطة الفلاسفة قد اختفت من بين المسلمين اليوم ولا حاجة إلى الدراسة والرد على مثل هذه العقائد. فما المغالاة في الأولياء والصالحين والطواف بقبورهم والتوسل والاستشفاع بهم إلا عقائد الوثنية تأثر بها عوام المسلمين وجهالهم بل وبالتالي طائفة من علمائهم والمقدمين المشهورين فيهم وما عبادة الحكام والتحاكم إلى الطواغيت وتقديس الملوك إلا وثنية جديدة وشركًا جديدًا قديمًا، يسير فيه عامة المسلمين اليوم بجهل منهم أو عناد، وما صرف صفات الله عن معانيها الحقيقية ونفي ما وصف الله به نفسه من اليد والوجه والحب والبغض، والساق والقدم، والمجيء والاستواء والضحك والكلام بصوت يسمعه القريب والبعيد ما نفي ذلك إلا زندقة قديمة انتشرت قديمًا وحار بها علماء السنة وكفروا أهلها وقتلوهم شر قتلة وما زال أتباعها إلى اليوم يملأون دور العلم ويفرضون عقيدتهم الباطلة على أجيال المسلمين، ويكفرون من لا يعتقد عقيدتهم، ويرمون بالتشدد والإفراط من يثبت لله ما أثبت الله لنفسه، ومن ينفي عن الله ما نفاه سبحانه عن نفسه، وما وحدة الوجود التي يؤمن بها عامة رجال التصوف الذين ما زالوا يملأون العالم الإسلامي إلا عقائد الهندوس والمجوس، بل إن الفتن العقائدية اليوم هي أبلغ ما يجابه المسلمين من مشاكل فكم من كفر اليوم يلبس لباس الإسلام، ويريد فرض نفسه على ديار المسلمين فما القول بالعصمة والرجعة، وكفر الصحابة وتبديل القرآن، وفشل الرسول في إبلاغ رسالة الإسلام إلا هدم جديد للدين يلبس لباس الإسلام.
وما التفريق بين بعض الدين وبعض وجعل الدين هو العبادة فقط وفصل شؤون الاقتصاد والسياسة والاجتماع إلا هدم للدين وإلغاء لدوره الحقيقي من الحياة وما الخرافات والخزعبلات التي تسود عقائد المسلمين إلا جاهليات قديمة تلبس لباسًا عصريًا وكل هذا وهذا يحتاج إلى دفاع واللسان آلته وميدانه وما يريد المبطلون اليوم إلا تخريج قطعان من المسلمين لا يدرون إلى أين يساقون وأي عقيدة يعتقدون وبأي زنديق أو مشرك يأتمون ويقتدون.
ونحن بحمد الله في مجال الدعوة نقول كما قال الله لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فنوجب على العالم ما لا يجب على طالب العلم المبتدئ، ونوجب على طالب العلم ما لا يجب على الأمي العامي، وكل عليه أن يدعو بما يسره الله له.