أما على التفصيل فقد استدل المبيحون للتدرج في تطبيق الشريعة بعدة أدلة، نذكر منها:
الدليل الأول:
ما هو معلوم من التدرج في تشريع الأحكام الشرعية، كالخمر وغيره، حيث إن نزول الأحكام الشرعية لم ينزل دفعة واحدة، وإنما تدرج تشريعها حتى بلغت الصورة النهائية حين تهيأت النفوس لقبولها.
جاء عن يوسف بن ماهك عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «إنما نزلت أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، قالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا» . [صحيح البخاري]
وجه الدلالة من سياق هذا الحديث قولها رضي الله عنها: «حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام؛ ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر قالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا» .
قال في الفتح: (قوله «حتى إذا ثاب» بالمثلثة ثم الموحدة أي رجع، قوله «نزل الحلال والحرام» أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس إلى ذلك أنزلت الأحكام ولهذا قالت «ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها» وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف) .
والتدرج التشريعي يشير إلى ملحظ منهجي وهو التدرج التطبيقي .. وهذا الذي فهمه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين قال لابنه عبد الملك وقد استعجله التطبيق الكامل لأحكام الشرع؛ قال له: (لا تعجل يا بني، فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة!) .
ويقال أيضا: إننا متفقون على أن الأحكام قد كملت واستقرت بأحكامها النهائية، وهذا لا يمنع التدرج في التطبيق، فالمحرم مثلا من المحرمات لا يصبح وفق"التدرج"مباحا، بل هو على ما هو عليه من الحرمة؛ إذ إن الأحكام قد استقرت واكتملت، وإنما الذي نتدرج به: تطبيق هذه الأحكام على المجتمع من إقامة الحدود، وأسلمة المعاملات وغير ذلك مما يلزم لتطبيقه الكامل تطبيق تدريجي.
وهذا التطبيق المرحلي يقود إلى التطبيق الكامل على الوجه الصحيح .. كما قال عمر بن العزيز رضي الله