عنه لابنه (فإن أبقاني الله مضيت لرأيي، وإن عجلت علي منية فقد علم الله نيتي!) .
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل بفروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة، فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته، فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها) [مجموع الفتاوى 10/ 355] .
يقول الشاطبي رحمه الله: (وهذا معنى صحيح معتبر في الاستقراء العادي، فكان ما كان أجرى بالمصلحة وأجرى على جهة التأنيس، وكان أكثرها على أسباب واقعة، فكانت أوقع في النفوس حين صارت تنزل بحسب الوقائع، وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنزل حكما حكما، وجزئية جزئية، لأنها إذا نزلت كذلك لم ينزل حكم إلا والذي قبله صار عادة، واستأنست به نفس المكلف .. فإذا نزل الثاني كانت النفس أقرب للانقياد) [الموافقات: 2/ 93، 94] .
ومن حسن السياسة، التمهيد للحكم المستغرب كما قال ابن القيم رحمه الله: (إذا كان الحكم مستغربا جدا مما لم تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه؛ فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب فإن النفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة، سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب، وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبانه، وهذا الذي شجع نفس زكريا وحركها لطلب الولد وإن كان في غير إبانه) [إعلام الموقعين] .
الدليل الثاني:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم] .
قال ابن رجب رحمه الله: (فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلابد منه فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه .. وسمع ابن مسعود رجلا يقول:"هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر"فقال ابن مسعود: «هلك من لم يعرف بقلبه