فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 117

المعروف والمنكر» يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك، وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة، وقال ابن مسعود: «يوشك من عاش منكم أن يري منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره» .. فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه» . أخرجه أبو داود بهذا اللفظ) [جامع العلوم والحكم] .

وقال الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى عن نبي الله شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ... وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز} ، والفوائد التي تستفاد منها: (ومنها: أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة، وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.

ومنها: أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه ...

ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان [1] اهـ.

وهذا يندرج تحت قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ..

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أي: (جهدكم ووسعكم، أي: ابذلوا فيها استطاعتكم، {وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} أي: افهموا هذه الأوامر واعملوا بها) [تفسير القاسمي] .

ومن الأمثلة على تعلق إنفاذ الحكم الشرعي بالقدرة، ولو كان المخاطب به هو السلطان ـ المفترض فيه

(1) (ـ وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - حماية عمه أبي طالب؛ وسعى يطلب حماية بعض القبائل ليبلغ دعوة الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت