القدرة السلطانيةـ إرجاء الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه تنفيذ حكم القصاص على قتلة عثمان رضي الله عنه .. كان الواجب على جميع المسلمين وفي مقدمتهم علي رضي الله عنه أن يقتصوا من قتلة عثمان؛ غير أن عليا رضي الله عنه استمهل المستعجلين، ريثما تستقر له الأمور أو ينجز ما قد يراه ضروريا من المقدمات التي تضمن سلامة التنفيذ وإبعاد أسباب الفتنة ..
وعند احتجاج المانعين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} نقلنا عن ابن كثير رحمه الله قوله: (والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها) ؛ فإقامة شرائع الإسلام منوطة بالقدرة ..
بل القدرة الشرعية شرط في التكليف .. مثل اشتراط الاستطاعة في الحج .. و (الشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن الحصين: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» [رواه البخاري] .. بل مما ينبغي أن يعرف أن الاستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم يكتف الشارع فيها بمجرد المكنة ولو مع الضرر، بل متى كان العبد قادرا على الفعل مع ضرر يلحقه جعل كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة: كالتطهر بالماء، والصيام في المرض، والقيام في الصلاة، وغير ذلك تحقيقا لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .. فمن قال: إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله) [مجموع الفتاوى: 8/ 438، 139، 440] .
قال ابن تيمية رحمه الله: (فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [مجموع الفتاوى 21/ 634] . [انظر معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة] .
الدليل الثالث:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم: فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على