فقرائهم. فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [رواه البخاري ومسلم] .
قال الحافظ رحمه الله في الفتح: ( ... وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة) .
وواضح أن هذا كان بعد نزول الأحكام وفرض الفرائض، ومع ذلك تدرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوة أهل الكتاب في اليمن رفقا بهم وتثبيتا للإيمان في نفوسهم.
وهذا دليل واضح وصريح في الدلالة على جواز التدرج في البلاغ حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين لمعاذ أن لا ينتقل إلى الركن أو الفريضة التالية إلا بعد تقرير الفريضة السابقة للأولى، وهذا هو التدرج الذي نحن بصدد الحديث عنه؛ أن يبدأ بالأهم الذي ينبني عليه غيره؛ ثم ينتقل بعده إلى المهم الذي تكتمل به الصورة، ويتكامل به التطبيق.
الدليل الرابع:
التعامل مع المنافقين في المدينة، وعلى رأسهم عبد لله بن أبي بن سلول وكان عظيما في قومه، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يداريهم ويترفق بهم ليتألفهم.
وحدث في غزوة بني المصطلق أن قال عبد الله بن أبي: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأشار عليه عمر رضي الله عنه بقتله. فجاءه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، فقال: يا رسول الله: بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال عليه الصلاة والسلام: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» ؛ فكان أصحاب عبد الله بن أبي بعد ذلك إذا أحدث الحدث هم الذين يعاتبونه ويعنفونه ويتوعدونه .. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له أنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» ، فقال عمر رضي الله عنه: «قد والله علمت لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم بركة من أمري» [البداية والنهاية 4/ 158، صحيح السيرة النبوية 339] ..