فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 117

وهذا دليل على ما يسمى بـ:"إرجاء التطبيق"والنظر في مآلات الأمور، فابن أبي كان يستحق القتل يوم استأذن عمر رضي الله عنه بقتله، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر تطبيق الحكم وأرجأه لما يترتب على ذلك من المصالح ولما يترتب على تطبيقه من المفاسد، كما ظهر من الحديث، وقد ورد في رواية البخاري ومسلم:"فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» "

قال الشيخ عبد الله دراز رحمه الله في [تعليقه على الموافقات:5/ 181] : (فموجب القتل حاصل، وهو الكفر بعد النطق بالشهادتين، والسعي في إفساد حال المسلمين كافة بما كان يصنعه المنافقون، بل كانوا أضر على الإسلام من المشركين، فقتلهم درء لمفسدة حياتهم، ولكن المآل الآخر وهو هذه التهمة التي تبعد الطمأنينة عن مريدي الإسلام- أشد ضررا على الإسلام من بقائهم) .

قال النووي رحمه الله: (وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منها، وكان - صلى الله عليه وسلم - يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين وتتم دعوة الإسلام ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه - صلى الله عليه وسلم - ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم، قال القاضي: واختلف العلماء هل بقي حكم الإغضاء عنهم وترك قتالهم أو نسخ ذلك عند ظهور الإسلام ونزول قوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} وأنها ناسخة لما قبلها، وقيل قول ثالث أنه إنما كان العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم فإذا أظهروه قتلوا) .

فتغيير المنكر إذا نتج عنه ما هو أنكر منه كان المشروع تركه دفعا لأعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ..

قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله .. ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت