فهرس الكتاب
فهو صورة من صور التدرج في الدعوة وفي امتثال أحكام الشريعة الإسلامية. ويلاحظ أن هذا التدرج وقع حال عز الإسلام وعلو كلمته وقوة سلطانه، فالحاجة إلى التدرج حال الاستضعاف من باب أولى.
الدليل التاسع:"تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"
ولا يتناقض هذا المحور المهم مع القول بثبات الشريعة؛ ذلك أن الفتوى هي:"جواب المفتي"، ومن البين أن الفتوى قد تدخل فيها أو ترتبط بها عدة عوامل تكون مرتبة عليها، وبالتالي لتغير الفتوى ضوابط مهمة، ذكرها أهل العلم ـ ستأتي الإشارة إليها ـ مع التأكيد على أن ما يقع فيه التغيير إنما هو بحسب اجتهاد المجتهد، وبحسب تحقيق مناط الحكم وتحقيق المصلحة، ومراعاة العرف، إذا كان مما يلحظ فيه ذلك.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله موضحا للمنهج الصحيح في التعامل مع الأدلة الشرعية أثناء تنزيلها على الواقع:(ولكن الكلام في المناظرة والمذاكرة والتعلم والتعليم له حال، وهو النظر إلى الأدلة والتراجيح بقطع النظر عن الأمور الأخرى.
والكلام في الفتوى كما تراعى فيه التراجيح فيراعى أيضا فيه حالة الوقت وعمل الناس ومراعاة المصالح وسد المفاسد ... فالفتوى يتعين على المفتي أن يراعي فيها جميع النواحي، فكم توقف كثير من أهل العلم عن الإفتاء فيما يعتقدون لأغراض من جنس ما ذكرته).
يقول الأستاذ مصطفى الزرقا رحمه الله: (قد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة بالقاعدة:"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".
أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوحيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية، كحرمة المحرمات المطلقة، وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الإنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يلحق بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره .. إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة