فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 117

ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبا في الأصل، والله أعلم) [الفتاوى 20\ 59]

فكلام شيخ الاسلام هنا؛ واضح في إباحة التدرج في تبليغ وتطبيق الشريعة الإسلامية شيئا فشيئا حال العجز في العلم والعمل حتى يتكامل التطبيق، فكلام المبيحين للتدرج إنما هو في الحال الذي لا يتمكن فيه العالم أو الحاكم من تحكيم الشريعة على وجه الكمال، فيلجأ إلى التدرج في ذلك، أملا في الوصول إلى الوضع التام، وهو عين فتواه يرحمه الله.

يقول ابن تيمية رحمه الله: (فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها أو تحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها، والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة، هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية، وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا كسقوط الصيام لأجل السفر وسقوط محظورات الإحرام) [مجموع الفتاوى 20\ 53] .

فالكلام في النوازل يحتاج إلى علم يعين على التفصيل ..

ثانيا: أفتى علماء مالكية بجواز تعويض الحد بعقوبة مالية للضرورة ..

فقال الإمام البرزلي رحمه الله: (والذي أقوله الآن في بوادي افريقية وأعرابها والبلاد النائية عنها من الحواضر التي هي محل بث الشرع، وغلب الجهل، والتعرض للأموال، والأخذ بالدماء، والهروب بالحريم، وأخذ الأموال بالخيانة والغش والحرابة والمعاملات الفاسدة، أن يفعل بهم ما يقطع هذه المفاسد من التعرض لبعض مال الجاني وبدنه وسجنه عقوبة له، فيوقف من ماله ما يحسم به مادته، إما بإعطائه للمجني عليه، أو يرد عليه إن حسنت حاله، أو يوضع في بيت المال، أو يتصدق به، كما هو في بعض المسائل الآتي ذكرها؛ وهذا الذي تدل عليه بعض المسائل المالكية والقواعد الشرعية والاجتهادية)

وقد تابع الإمام البرزلي ثلة من جلة العلماء وأيدوه فيما ذهب إليه، (وقيدوا الجواز بما تعذر إجراء الأحكام الشرعية في الحدود على أصلها، وأمكن إيقاع الزواجر دونها، فإنه يؤتى بما تبلغه الاستطاعة في ذلك، وتنزل أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات قياسا على الرخص المباحة للضرورة، ودفعا للمفسدة، وتوخيا تغيير المنكر على قدر الاستطاعة، وعملا بأخف الضررين، ورعيا للمصلحة العامة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت