إقامة الحد لما ذكرناه، فهل يجوز أن يعدل عن الحد إلى التعزير من باب ردع أهل الفساد قدر الاستطاعة، ومن قبيل تنزيل أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات؟، وهل يجوز تعزير من وقع منه موجب الحد بغرامة مالية تخفيفا للشر قدر الطاقة؟ .. الراجح جواز ذلك إن كانت المصلحة تقتضيه، على أن ذلك لا يسقط الحد عمن أتى بموجبه، بل يقام عليه حين القدرة عليه، والظالم أولى بأن يحمل عليه)
ثالثا: سئل الشيخ ابن تيمية عن رجل متول ولايات ومقطع إقطاعات وعليها من الكلف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره، وولي غيره، فإن الظلم لا يترك منه شيء، بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه، فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه، فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها، فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه، وقد عرفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه، أم عليه أن يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع، وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد، فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم، فهل يطالب على ذلك أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله؟ أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادته؟ وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به، ورفع ما رفعه من الظلم، فهل الأولى له أن يوافق الرعية أم يرفع يده؟ والرعية تكره ذلك؛ لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده؟.
فأجاب:(الحمد لله، نعم إذا كان مجتهدا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر، فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه، وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيره قادرا عليه، فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية، يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره
في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم)اهـ.
ويقول رحمه الله: (والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على