تيسير الشريعة السمحة التي جاءت بـ {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .
وأما ارتكاب أخف الضررين، فقد تقرر في الشريعة، أنه يجوز فعل الضرر الأقل، إذا كان الأكبر لا يندفع إلا بذلك، فلو كان الحاكم يعلم أنه لو منع التدرج، لأدى ذلك إلى مفسدة أعظم، هي سقوط المشروع برمته وفشله، فله أن يتدرج دفعا لأعظم الضررين.
ويستدل على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، بما في صحيح البخاري: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، زجره الناس فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى بوله، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فأهريق عليه» .
قال ابن حجر رحمه الله: (بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما. وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما) .
فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أجل تغيير منكر هو من أعظم المنكر، هو البول في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام، وفي حضرته عليه الصلاة والسلام، ما في عدم التأجيل من مفسدة أعظم.
وقال في مراقي السعود:
وارتكب الأخف من ضررين ... وخيرن لدى استوا هذين
كمن على الجريح في الجرحى سقط ... وضعف المكث عليه من ضبط
وهذا كما ذكر الذهبي عن ميمون بن مهران، عن عمر بن عبد العزيز يقول: (لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر من أمر العامة، فأخاف ألا تحمله قلوبهم، فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن أنكرت قلوبهم هذا، سكنت إلى هذا) [تاريخ الذهبي 4/ 170]
وفي [البداية والنهاية 9/ 200] . (وإني لأريد الأمر، فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا، حتى تسكن قلوبهم) .
وورد عنه أنه قال: (ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئا) [حلية الأولياء 5/ 290] .
وقال لابنه أيضا: (إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي، من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا، وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين) [حلية الأولياء 5/ 282، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/ 128] .