فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 117

فعل ذلك بغير تدريج مطلقا إلا جاهل لم يتصور المشروع أصلا، وهو لا يعرف ماذا يعني هذا العنوان الكبير، وإنما أخذ عنوانا وطار فيه مطار الغوغاء، والدهماء!

فإذا انضم إلى أن المشروع في مثل هذه البيئة، كونها بيئة ذات تحفز دائم لحرب عدو متربص، وحصار خانق منغص، مع قلة الإمكانات، وضعف القدرات فإن من يظن تحريم التدرج مطلقا، فهو من أجهل الناس، ولا يقول هذا ـ أصلا ـ إلا من لم يمارس الفتوى، ولا القضاء، ولا يعرف أعباءهما في الناس، وإنما قصر نظره على مسائل محددة، وتعصب عليها.

وإذا كان شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: (لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف، لنرجح عند التزاحم والتمانع خير الخيرين، وندفع عند الاجتماع شر الشرين، ونقدم عند التلازم ـ تلازم الحسنات والسيئات ـ ما ترجح منها فإن غالب رؤوس المتأخرين، وغالب الأمة من الملوك، والأمراء، والمتكلمين، والعلماء، والعباد، وأهل الأموال يقع ـ غالبا ـ فيهم ذلك) [الاستقامة 2/ 168] .

إذا كان هذا في ذلك الزمان فكيف بنا نحن اليوم؟! وقد انتشر الفساد، وعم البلاد، وصارت القوانين الوضعية، ربما تسري على كل شيء صغير وكبير، في حياة الناس.

وكيف ليت شعري يقال يحرم التدرج مطلقا، وأنه لا يحل لمن أوتي مقاليد السلطة إلا يجعل الناس يستيقظون بين عشية، وضحاها، ليجدوا حياتهم كلها صارت إلى الشريعة محتكمة، وبالهدى في جميع مناحي الحياة ملتزمة؟!! ولهذا فلا بد أن يتناقض قائل هذا القول العجيب في حاله، وهو

لا يشعر ..

ولنعد الآن إلى إيضاح مسألة التدرج في تطبيق الشريعة:

أما اندراج التدرج في الشريعة فيما ذكرت من قواعد الفقه، فكما يلي:

أما سقوط التكليف بالعجز، فهذا واضح، فقد يعجز الحاكم أن يغير بعض الجوانب، لعدم وجود آلات التغيير، فيسقط عنه، وإذا كان محاصرا ـ مثلاـ ولا يمكن جلب القضاة الشرعيين بما يكفي، فإنه يتدرج، فيبدأ بما يقدر عليه، ويؤجل ما يعجز عنه إلى القدرة، وأما فعل ما يقدر عليه العبد من الوجوب، فكذلك قد يفعل بعض الواجب، ويتدرج حتى يكمل ما وجب عليه فعله إذا قدر، فهذا ما كلف به شرعا أصلا، وهذا كله لا إشكال فيه، ولا يخلو عبد من الحاجة إليه أصلا، وهو من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت