خامسا: وكم يهزني موقف سعيد الحلبي أمام إبراهيم باشا -وهو صاحب الهيل والهيلمان والسلطان-، عندما دخل إبراهيم المسجد بقي الشيخ سعيد جالسا مادا رجله، وأقبل الناس جميعا يحيون ويصافحون، ووقف إبراهيم باشا طويلا أمام الشيخ سعيد الذي لم يقبض رجله، وسار وهو يغلي غيظا وقد استشاط غضبا ، فأخذ صرة من النقود وقال لحاجبه: ادفعها للشيخ، فعندما وضعت في حجر الشيخ سعيد قال للحاجب: (قل لسيدك: إن الذي يمد رجله لا يمد يده) (1) .
أما المجتمع الذي صنعته هذه العقيدة: فإنه مجتمع آمن، كل فرد من أفراده آمن على عرضه: فالزنا من أكبر جرائمه، يستحق عليها المحصن عقوبة الموت رجما بالحجارة.
وهو من آمن من أن يمس جنابه بكلمة، سواء كانت كلمة قذف في عرض، إذ أن هذه الكلمة توجب جلد ثمانين أمام الناظرين، ولا يمس طرفه بكلمة معيبة.
وهو آمن على ماله: فالسرقة كبيرة، ومن سرق من ماله مقدار ربع دينار فإن هذا المبلغ يعرض يد السارق للقطع، وهو آمن من أن يعرض ماله للضياع عن الطرق المحرمة، فالربا محرم، والاحتكار ممنوع، والغش منفي بتاتا ، والقمار رجس من عمل الشيطان.
(1) مقدمة كتاب ربانية لا رهبانية لأبي الحسن الندوي.