(ثم"ولجت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقلت: وما ذاك؟ قالت: ابني ومن حدث الحديث ... فخرت مغشيًا عليها، فما استفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فطرحت عليها ثيابها فغطتها") [1]
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما [2] حين استلبث الوحي، [3] يستأمرهما في فراق أهله. [4] قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال:"يا رسول الله أهلك، وما نعلم إلا خيرا". وأما علي بن أبي طالب فقال:"يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، [5] وإن تسأل الجارية تصدقك". [6] قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة [7] فقال: (أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟) . [8] قالت بريرة:"لا والذي بعثك بالحق، إنْ رأيت عليها أمرا أغمِصُه [9] عليها أكثرَ من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن [10] فتأكله" [11] . [12]
(1) ما بين الهلالين من إدراجي، وما بين العُلويتين من رواية مسروق عن أم رومان كما أخرجها البخاري في كتاب المغازي من صحيحه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"طريق الجمع بينهما: أنها سمعت ذلك أولًا من أم مسطح. ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمها بالأمر مجملًا، كما مضى من قولها: هوني عليك. وما أشبه ذلك. ثم دخلت عليها الأنصارية فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها فقوي عندها القطع بوقوع ذلك".اهـ [فتح الباري 8/ 594] .
(2) وفي حديث ابن عمر:"وكان إذا أراد أن يستشير أحدًا في أمر أهله لم يعد عليًا وأسامة".اهـ وفي رواية الواقدي أنه سأل أم أيمن أيضًا، فبرأتها، وأم أيمن هي والدة أسامة بن زيد .. وسيأتي أنه سأل زينب بنت جحش أيضًا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"العلة من اختصاص علي وأسامة بالمشاورة أن عليًا كان عنده كالولد لأنه رباه من حال صغره ثم لم يفارقه، بل وازداد اتصاله بتزويج فاطمة فلذلك كان مخصوصًا بالمشاورة فيما يتعلق بأهله لمزيد اطلاعه على أحواله أكثر من غيره، وكان أهل مشورته فيما يتعلق بالأمور العامة أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر. وأما أسامة فهو كعلي في طول الملازمة ومزيد الاختصاص والمحبة، ولذلك كانوا يطلقون عليه أنه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..".اهـ [فتح الباري 8/ 595] .
(3) "حين استلبث الوحي: بالرفع أي طال لبث نزوله، وبالنصب أي استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم نزوله".اهـ [انظر: فتح الباري 8/ 594] .
(4) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"أهله: عدلت عن قولها في فراقي، إلى قولها: فراق أهله، لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها".اهـ [فتح الباري 8/ 594] .
(5) قال الإمام النووي رحمه الله:"رأى علي أن ذلك هو المصلحة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة لإرادة راحة خاطره صلى الله عليه وسلم".اهـ [انظر: فتح الباري 8/ 595] .
(6) قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة رحمه الله:"لم يجزم علي بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله:"وسل الجارية تصدقك"، ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها. لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة".اهـ [انظر: فتح الباري 8/ 595] .
(7) ظن بعض أهل العلم -كالزركشي، وابن القيم- أن ذكر اسم بريرة في الرواية وهم من أحد الرواة، لأن عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح! ولكن الحافظ ابن حجر رحمه الله استدرك على هذا الظن بقوله:"وقد أجاب غيره بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة، وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة، وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ".اهـ [فتح الباري 8/ 596] .
(8) وفي رواية هشام بن عروة:"فانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم".اهـ وفي رواية أبي أويس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: شأنك بالجارية. فسألها علي وتوعدها فلم تخبره إلا بخير، ثم ضربها وسألها فقالت: والله ما علمت على عائشة سوءًا".اهـ وفي رواية ابن إسحاق:"فقام إليها علي فضربها ضربًا شديدًا، يقول: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم".اهـ
(9) "أغمصه: بغين معجمة وصاد مهملة: أي أعيبه".اهـ [انظر فتح الباري 8/ 596] .
(10) "الداجن: بدال مهملة ثم جيم: الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى، وقيل: هي كل ما يألف البيوت مطلقًا شاة أو طيرًا".اهـ [انظر فتح الباري 8/ 597] .
(11) وفي رواية ابن إسحاق:"ما كنت أعيب عليها إلا أني كنت أعجن عجيني وآمرها أن تحفظه فتنام عنه".اهـ وفي رواية مقسم:"ما رأيت منها مذ كنت عندها إلا أني عجنت عجينًا لي فقلت: احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارًا لأخبزها، فغفلت، فجاءت الشاة فأكلتها".اهـ
ثم قالت كما في رواية ابن حاطب عن علقمة:"قالت الجارية الحبشية: والله لعائشة أطيب من الذهب، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله. قالت: فعجب الناس من فقهها".اهـ
(12) قال الإمام ابن المنير رحمه الله في الحاشية:"هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به المبالغة في نفي العيب، فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رميت به وأقرب إلى أن تكون من الغافلات المؤمنات".اهـ [انظر فتح الباري 8/ 597] .