ونلخص القول في هذه المسألة بما قاله القاضي عياض، حيث يقول: (من استخف بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم ... فهو كافر بالإجماع) [[1] ]، ويقول أيضًا: (وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى ... واستخف بهم أو كذبهم فيما آتوا به، وأنكرهم وجحدهم حكم نبينا صلى الله عليه وسلم ... قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء، آية 150، 151) وقال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة، آية 285] ) [[2] ].
2)في إدعاء النبوة:
النبوة منة من الله تعالى، وفضل منه عز وجل، وهي اصطفاء واختيار الله تعالى عبدًا من عباده بتبليغ الوحي إليه، قال تعالى لموسى عليه السلام: {اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف، آية 44] ، وقال عز وجل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [مريم، آية 58] .
وإذا كان الأمر كذلك، فإن ادعاء النبوة - كذبًا وزورًا - من أشنع الكذب وأقبحه، كما يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟) [[3] ].
وإدعاء النبوة قد يكون بأن يدعي شخص النبوة لنفسه كذبًا وافتراء، إما استقلالًا، أو شركة مع نبي آخر، وقد يكون بتصديق من ادعاها، أو القول بتجويزها بعد ختمها بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو زعم أنه يمكن اكتسابها، أو ادعى أنه يوحى إليه، أو ينكر ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم. فكل هذه الصور - وما يلحق بها من أمثالها - من نواقض الإيمان القولية في النبوات.
وأما من صدق بأن هنالك نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم فقد اجمعت الأمة على كفره، كما يقول عبد القاهر البغدادي: (أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس آدم عليه السلام، وآخرهم عند المسلمين محمد صلى الله عليه وسلم) [[4] ].
ويقول ابن حزم: (واتفقوا على أنه لا نبي مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا بعده أبدًا) [[5] ]، ويقول في موضع آخر: (وأما من قال أن بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيًا غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد) [[6] ].
3)في الكتب المنزلة:
من المعلوم أن الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله على رسله عليهم السلام هو أحد أركان الإيمان قال الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة، آية 136] .
(1) الشفا 1069/ 2
(2) المرجع السابق.
(3) شرح العقيدة الطحاوية.
(4) أصول الدين.
(5) مراتب الإجماع.
(6) الفصل 293/ 3.