الصفحة 30 من 50

ويقول القرطبي في هذا الشأن: (وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، اجتراء على الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم) [[1] ].

ويقول الآلوسي: (ونفي الجن كفر صريح كما لا يخفى) [[2] ].

وإذا تقرر وجوب الإيمان بالملائكة عليهم السلام والجن، فإن لهذا الإيمان ما يناقضه من الأقوال كإنكار وجود الملائكة، أو الجن، أو سب الملائكة والاستهزاء بهم.

كما أن إنكار الملائكة والجن مناقض للإيمان بالكتب المنزلة، فالإيمان بالكتب يتضمن الإقرار بها وتصديقها، وإنكار الملائكة والجن هو تكذيب وجحود لآيات الله تعالى، فهو يناقض هذا الإقرار والتصديق، ومن ثم فقد توعد الله تعالى أولئك المنكرين لآياته، المكذبين بها بالعذاب المهين والخلود في نار جهنم. قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف، آية 40] .

ثانيا: اليوم الآخر:

أ) إنكار البعث: لا شك أن إنكار البعث مناقض للإيمان، مهما تنوعت صوره وأمثلته، فقد يكون إنكار لبعث الأرواح والأجساد، وقد يكون إنكار لمعاد الأجساد مع الاعتراف بمعاد الأرواح، وتارة يكون إنكار البعث بالقول بتناسخ الأرواح، ونقلها إلى أجسام أخرى، وتارة أخرى يكون هذا الإنكار بإنكار معاد النفوس الجاهلة دون العالمة. ومن صور هذا الإنكار ما زعمه بعضهم أن البعث عبارة عن خلق أبدان جديدة مغايرة تمامًا للأبدان الفانية.

ويقول ابن عبد البر: (وقد أجمع المسلمون على أن من أنكر البعث، فلا إيمان له ولا شهادة، وفي ذلك ما ينبغي ويكفي، مع ما في القرآن من تأكيد الإقرار بالبعث بعد الموت، فلا وجه للإنكار في ذلك) [[3] ].

ب) إنكار الوعد أو الوعيد أو الاستهزاء به: قد حوى القرآن الكريم على وعد ووعيد، فالوعد يكون بالمغفرة والرضوان، والتكريم ودخول الجنان ونحو ذلك من أنواع الثواب، والوعيد يكون إما بلعنة أو غضب أو دخول نار ... وغير ذلك من أنواع العقاب، قال الله تعالى: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة، آية 68] ، وقال سبحانه: {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التوبة، آية 7] .

ومما يتضمنه الإيمان بالوعد والوعيد: الإيمان بالجنة والنار، وهو التصديق بوجودهما، وأنهما مخلوقتان موجودتان، لا تفنيان ولا تبيدان، وقد تواترت الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة في ذكرهما، وأوصافهما، وأحوالهما ... كما أجمع علماء الإسلام على ذلك وحكى الإجماع عدد كبير منهم.

وإذا تقرر وجوب الإيمان بالوعد والوعيد، ومنه الإيمان بالجنة والنار ... فإن ما يناقض هذا الإيمان له عدة صور وأمثلة، فمنها: إنكار الوعد والوعيد، ومنه إنكار الجنة والنار، والقول بأن الوعد والوعيد تخييل للحقائق لكي ينتفع به الجمهور - كما يقول به ملاحدة الفلاسفة - ومن صور هذا الإنكار والاستهزاء؛، ما يدعيه ملاحدة المتصوفة أن الجنة أو النار معان باطنة يقصد بها نعيم الأرواح أو تألمها فقط ... أو ما يزعمه بعضهم أن أهل النار يتنعمون في النار، كما يتنعم أهل الجنة في الجنة ... ومن صور هذا الكفر؛ السخرية بالوعد والوعيد والاستهزاء بهما ... إلى غير ذلك من الأمثلة [[4] ].

(1) تفسير القرطبي.

(2) روح المعاني

(3) التمهيد.

(4) فتاوى ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت