د) إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة: الإنكار بمعنى الجحود، وعدم الاعتراف وانتفاء الإقرار، والمقصود بحكم معلوم من الدين بالضرورة: ما كان ظاهرًا متواترًا من أحكام الدين معلومًا عند الخاص والعام، مما أجمع عليه العلماء إجماعًا قطعيًا مثل وجوب أحد مباني الإسلام كالصلاة والزكاة ونحوهما، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة مثل الربا والخمر وغيرهما.
يقول ابن تيمية: (إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق) [[1] ].
ويقرر النووي أن هذه الأحكام ثابتة بالإجماع المعلوم عند العامة، فيقول: (فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ... فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا عن طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة) [[2] ].
وإذا اتضح مفهوم إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، فإننا نشير إلى أن هذا الإنكار له عدة صور وأمثلة، فربما كان إنكارًا صريحًا ظاهرًا كأن يقول - مثلًا - بإنكار وجوب الصلاة أو الزكاة ... أو يقول بحل الربا، أو الخمر ... أو يقول بتحريم ما كان حلالًا بالإجماع كالخبز والماء ونحوهما ... وقد يكون الإنكار عن طريق تأويل فاسد غير سائغ تأباه اللغة العربية، كتأويل الباطنية القائلين أن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم والمحرمات أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، فقد أجمع العلماء على كفر أصحاب تلك المقالة [[3] ]وكذلك ما يزعمه ملاحدة الصوفية أن من وصل إلى درجة اليقين فقد سقطت عنه التكاليف [[4] ]، ويلحق بهذا الإنكار - في الحكم بالكفر - أن يعترف شخص ما بهذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة ... لكنه يعلن عدم قبوله لهذا الحكم، ويأبى أن يذعن لله تعالى، ويرفض الانقياد لهذا الحكم عنادًا واستكبارًا.
(1) مجموع الفتاوى.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي.
(3) انظر الشفا.
(4) مجموع الفتاوى.