أ) نواقض الإيمان العملية في التوحيد:
1)الشرك في العبادة: عرفنا فيما مضى من هذا الكتاب أن العبادة تكون لله وحده، وأن صرفه لغيره سبحانه شرك، وعرفنا ما هي أنواع العبادة التي أمرنا الله بها، فلذلك لن نطيل الحديث في هذا الموضع، ولكن نكتفي بالقليل.
وإذا تقرر أن هذه الأعمال من العبادات، وأنها حق لله وحده لا شريك له سواء كانت ذبحًا أو نذرًا أو سجودًا أو ركوعًا أو طوافًا ونحوها، فإن من جعل شيئًا منها لمخلوق كائنًا من كان فقد أشرك بالله تعالى في عبادته، واتخذ مع الله أندادًا.
أ) وبيان ذلك أن الذبح أو النذر لغير الله تعالى شرك بالله تعالى، لأنهما عبادتان يجب صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما لغيره فقد أشرك، يقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة آية 3] .
ب) وإذا انتقلنا إلى حكم السجود أو الركوع لغير الله تعالى، فهذا من الشرك الظاهر، فلا ريب أن السجود والركوع عبادتان لله وحده لا شريك له، فمن سجد أو ركع لغير الله تعالى فقد أشرك، يقول الله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد، آية 5] ، وأمر الله تعالى بالسجود والركوع له تعالى وحده في مواضع كثيرة من كتابه، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج، آية 77] .
ج) وإذا انتقلنا إلى الطواف، فإن المراد بالطواف الذي يكون شركًا هو الطواف بغير الكعبة مع قصد التقرب لغير الله تعالى، كالطواف بالقبور والمشاهد ونحوها، فالطواف عبادة لقوله تعلى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج، آية 29] .
د) قال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة، آية 5] .
قال المقريزي في هذه الآية: (بالجملة فالعبادة المذكورة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} هي السجود والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا، والدعاء، كل ذلك محض حق الله تعالى) [[1] ].
2)الحكم بغير ما أنزل الله:
لا شك أن تنحية شرع الله تعالى، وعدم التحاكم إليه في شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حل بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم والذل والمحق.
ونظرًا لأهمية وخطورة هذه المسألة من جانب، وكثرة اللبس فيها من جانب آخر، فنفصل هذه المسألة على النحو التالي:
1)منزلة الحكم بما أنزل الله من الدين:
فرض الله تعالى الحكم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل الكتاب، فقال سبحانه: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة، آيه 213] ، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} ، وقال سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى، آية 42] .
(1) تجريد التوحيد.