الصفحة 35 من 50

وأما من تحاكم إلى الطاغوت أو حكم الجاهلية، وهو يدعي الإيمان، فهذه دعوى كاذبة كما هو شأن المنافقين المذكورين في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء، آية 60] .

وقد سمى الله تعالى الذين يحكمون بغير شرعه كفارًا، وظالمين، وفاسقين. فقال سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة، آية 44] . وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة، آية 45] . وقال عز وجل: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة، آية 47] .

ويكون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى كفرًا ناقلًا عن الملة، وناقضًا من نواقض الإيمان في عدة صور وحالات، نتحدث عن بعضها على النحو التالي:

أ) من شرع غير ما أنزل الله تعالى: فالتشريع حق خالص لله وحده لا شريك له. من نازعه في شيء منه فهو مشرك، لقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى، آية 21] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة) [[1] ].

وإذا كانت متابعة أحكام المشرعين غير ما شرعه الله، تعتبر شركًا، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك، كما قال سبحانه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام، آية 121] [[2] ]فكيف بحال هؤلاء المشرعين؟

وهؤلاء المشرعون ما لم يأذن به الله تعالى، إنما وضعوا تلك الأحكام الطاغوتية لاعتقادهم أنها أصلح وأنفع للخلق وهذه ردة عن الإسلام، بل إن اعتبار شيء من تلك الأحكام ولو في أقل القليل عدم رضا بحكم الله ورسوله، فهو كفر ناقل عن الملة [[3] ].

إضافة إلى أن هذا التشريع يعد تجويزًا وتسويغًا للخروج على الشرع المنزل، ومن سوغ الخروج على هذه الشريعة فهو كافر بالإجماع [[4] ].

وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين - من خلال استقراء دساتيرها - إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله تعالى وحده بالتشريع، حيث جعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب، وربما جعلت الحاكم مشاركًا في سلطة التشريع، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله تعالى، والله المستعان.

يقول د. صلاح الصاوي عن تلك الأوضاع: (إن الحالة التي تواجهها مجتمعاتنا المعاصرة هي حالة الإنكار على الإسلام أن تكون له صلة بشؤون الدولة، والحجر عليه ابتداء أن تتدخل شرائعه لتنظيم هذه الجوانب، وتقرير الحق في التشريع المطلق في هذه الأمور للبرلمانات والمجالس التشريعية.

(1) تفسير ابن كثير.

(2) نفس المرجع السابق.

(3) انظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم.

(4) انظر فتاوى ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت