الصفحة 37 من 50

وقد أشار ابن كثير إلى هذا الواقع عند تفسيره لقوله تعالى،: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة، آية 50] ، فقال: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنيكز خان، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ... ) [[1] ].

ويقول محمود الآلوسي في تفسيره: (لاشك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع ويقول هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميز غيظًا ويتقصف غضبًا إذا قيل له في أمر: أمر الشرع فيه كذا، كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ... فلا ينبغي التوقف في تكفير من يستحسن ما هو بيّن المخالفة للشرع منها - أي القوانين - ويقدمه على الأحكام الشرعية منتقصًا لها) [[2] ].

د) من ساوى بين حكم الله تعالى وحكم الطاغوت: هذا كفر ناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى، آية 11] [[3] ]، ولقوله عز وجل: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة آية 22] ، وإذا كان الأمر كذلك فلا أضل ولا أسوأ حالًا من هؤلاء الذين ساروا بين حكم الله تعالى الذي لا معقب لحكمه، وبين حكم البشر العاجزين القاصرين.

يقول ابن تيمية: (من طلب أن يطاع مع الله، فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه، وأن لا يكون الدين إلا له) [[4] ].

وأخبر تعالى عن أهل النارأنهم يقولون) وهم في النار) لآلهتهم: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء، آية 97، 98] .

هـ) أن يجوز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، أو يعتقد أن الحكم بما أنزل الله تعالى غير واجب، وأنه مخير فيه، فهذا كفر مناقض للإيمان، لتجويزه ما علم بالنصوص الصريحة القطعية تحريمه، حيث لم يعتقد وجوب إفراد الله تعالى بالحكم، وهو إن لم يكن جاحدًا لحكم الله، لكن ما دام أنه لا يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى وحده، وذلك بتجويز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، فهذا كفر ناقل عن الملة [[5] ].

يقول القرطبي: (إن حكم بما عنده على أنه من عند الله تعالى، فهو تبديل له يوجب الكفر) [[6] ].

(1) عمدة التفسير.

(2) روح المعاني.

(3) انظر مقالة تحكيم الشريعة للقطان.

(4) مجموع الفتاوى.

(5) انظر أضواء على الركن.

(6) تفسير القرطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت