الصفحة 40 من 50

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم: (وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج عن الملة ... وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإن معصيته عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها، فإن معصيةً سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها كفرًا) [[1] ].

ويقول الشنقيطي: (من لم يحكم بما أنزل الله معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة) [[2] ].

وفي ختام هذا العرض نشير إلى أن تحكيم الشريعة استجابة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيه الحياة والصلاح والخير، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال، آية 24] .

يقول الشيخ السعدي: (قوله: {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم، لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلوب والروح، والروح بعبودية الله تعالى، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله على الدوام) [[3] ].

وإن رفض هذه الشريعة وعدم الاستجابة لها اتباع للهوى، فهو ضلال شنيع في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، يقول تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} .

ويحكي ابن القيم شيئًا من عواقب تنحية حكم الله تعالى فيقول: (لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربى فيها الصغير وهرم عليها الكبير ... ) [[4] ].

وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معشر المهاجرين: خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم - وذكر منها: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) [[5] ]، وفي رواية: (وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر) [[6] ].

وصدق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الناظر إلى واقع المسلمين - الآن - يرى ما وقع في تلك البلاد من المصائب والشرور، ومن الفرقة والعداوة فيما بينهم، وكذا التقاتل والتناحر، كما ظهر الفقر والتدهور الاقتصادي، مع أن في بلاد المسلمين - كما هو معلوم - أعظم الثروات وبمختلف الأنواع، وأعظم سبب في ذلك هو تنحية شرع الله، والتحاكم إلى الطاغوت والله المستعان.

3)الإعراض التام عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به:

والمقصود بالإعراض - هاهنا - والذي يعد ناقضًا من نواقض الإيمان العملية، والإعراض التام عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به، وهو التولي عن طاعة الرسول والامتناع عن الإتباع، والصدود عن قبول حكم الشريعة، فإذا كان جنس العمل الظاهر من أصل الإيمان، فإن تركه وعدم الالتزام به إعراض كلي عن هذا العمل، ومن ثم فهو كفر مخرج عن الملة.

يقول ابن تيمية: (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات) [[7] ].

(1) فتاوي محمد بن إبراهيم.

(2) أضواء البيان.

(3) تفسر السعدي.

(4) الفوائد.

(5) رواه ابن ماجه.

(6) صحيح الترغيب للأباني.

(7) مجموع الفتاوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت