وهناك إعراض لا يخرج من الملة، كأن يكون معه أصل الإيمان، لكنه يعرض عن فعل واجب من الواجبات الشرعية، وبهذا ندرك الفرق بين الإعراض الكلي عن جنس العمل الظاهر - الطاعة أو الاتباع - وبين الإعراض الجزئي عن بعض العمل، فالأول ينقض الإيمان وينفيه بالكلية، والآخر ينقص الإيمان، لكن لا ينفيه بالكلية) [[1] ].
فهذا الإعراض الكلي أو التام مخرج عن الملة، ومن تلبس بهذا الإعراض فهو كافر، وإن كان يحسب أنه يحسن صنعًا، لأن من كان متمكنًا ثم فرّط فأعرض عما جاء به الرسول فهو تارك للواجب.
ويذكر ابن القيم الفرق بين المعرض المفرط وبين العاجز قائلًا: (كل من اعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلابد أن يقول يوم القيامة: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف، آية 38] فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى، كما قال تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف، آية 30] ،قيل لا عذر لهذا وأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو ظن أنه مهتد، فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه، وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكم آخر، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول، وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه ... ) [[2] ].
ويقول أيضًا: (إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إراداتها والعمل بها وبموجبها ... ) [[3] ].
والآن نوجز حكم الإعراض عن دين الله تعالى، بأنه ينافي الإيمان ويضاده، كما قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور، آية 47] .
والإعراض عن دين الله وشرعه هو حقيقة النفاق. يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء، آية 61] .
يقول ابن القيم عن هذه الآية: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والإلتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه، والتسليم لما حكم به رضىً واختيارًا ومحبة، فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق) [[4] ].
ويقول محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية: (والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدًا ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقًا لا يعتد بما يزعمه من الإيمان، وما يدعيه من الإسلام) [[5] ].
إضافة إلى ذلك، فإن المؤمنين أهل طاعة وانقياد، وأصحاب استجابة وتسليم أما الإعراض عن دين الله تعالى فهو من صفات الكافرين، وخصال المنافقين، كما جاء ذلك مفصلًا في آيات كثيرة من القرآن.
وأما وجه كون هذا الإعراض من نواقض الإيمان فذلك لجملة من الاعتبارات نذكر منها ما يلي:
أ) أن الله تعالى نفى الإيمان عمن أعرض وتولى عن دين الله عز وجل، يقول تعالى {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} [النور، آية 47، 48] .
(1) انظر رسالة ضوابط التكفير للقرني.
(2) مفتاح دار السعادة.
(3) طريق الهجرتين.
(4) مختصر الصواعق المرسلة.
(5) تفسير المنار.