يقول ابن حزم عن هذه الآيات: (هذه الآيات محكمات لم تدع لأحد علقة يشغب بها، قد بين الله فيها صفة فعل أهل زماننا فإنهم يقولون: نحن المؤمنون بالله وبالرسول ونحن طائعون لهما، ثم يتولى طائفة منهم بعد هذا الإقرار فيخالفون ما وردهم عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، أولئك بنص حكم الله تعالى ليسوا مؤمنين) [[1] ].
ب) إذا كان الإيمان يتضمن طاعة وانقيادًا، وتسليمًا وقبولًا، واستجابة وخضوعًا لدين الله تعالى، فإن الإعراض يضاد ذلك وينافيه، فهو تول وصدود، وترك وامتناع، وهو إعراض عن الهدى، وعدم إرادته والعمل به وبموجبه، وقد تقرر - عند أهل السنة - أن الإيمان ليس تصديقًا قلبيًا فحسب، بل لابد فيه من الخضوع والانقياد.
قال ابن تيمية: (محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين) [[2] ].
ج) ذكر الله تعالى أن الإعراض والتولي عن طاعة الله كفر، فقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران، آية 32] .
يقول ابن كثير في تفسيره: {فإِن تَوَلَّوْا} : (أي تخالفوا عن أمره، {فإن الله لا يحب الكافرين} ، فدل على أن مخالفته في الطريق كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين) [[3] ].
د) قرر القرآن الكريم أن الإعراض عن دين الله تعالى من صفات المنافقين، وأن التولي عن طاعته من النفاق، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء، آية 61] .
ويقول ابن تيمية: (فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فالنفاق يثبت، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره) [[4] ].
4)مظاهرة المشركين على المسلمين:
ولما كانت موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة، وصور مختلفة، لذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يوجب الردة، ونقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من المعاصي [1] .
وهذا الموالاة التي تناقض الإيمان، قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال. والذي يهمنا في هذا المبحث الموالاة العملية، حيث سنورد مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين كمثال لتلك الموالاة، وقبل أن نفصل الحديث عن تلك المسألة، فإننا نوضح - باختصار - جملة من الأمثلة على تلك الموالاة العملية، نظرًا لعظم خطرها، وسعة انتشارها، وكثرة الوقوع فيها، فنذكر منها ما يلي:
أ) من أقام ببلاد الكفر رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا كافر عدو لله ورسوله، لقوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران، آية 28] ) [2] .
(1) الإحكام في فصول الأحكام.
(2) التحفة العراقية في أحكام القلوب.
(3) تفسير ابن كثير.
(4) الصارم المسلول.