وأما مسألة ترك الصلاة تهاونا وكسلا فقد اختلف العلماء في تكفير صاحبها، فمنهم من قال أنه كافر، ومنهم: الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين وكثير من أئمة العلم وأهله، يقول محمد بن نصر المروزي عن هذا القول: (وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث) [[1] ]،
ويقول ابن حزم: (فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل وابن مسعود وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية رحمة الله عليهم، وعن تمام سبعة عشر رجلًا من الصحابة، والتابعين رضي الله عنهم، أن من ترك صلاة فرض عامدًا ذاكرًا حتى يخرج وقتها، فإنه كافر ومرتد، وبهذا يقول عبد الله بن الماحشون صاحب مالك، وبه يقول عبد الملك بن حبيب الأندلسي وغيره) [[2] ].
وعند كثير أيضا من العلماء المعاصرين، ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ومنهم من قال أنه ليس بكافر، ولكل أدلته.
ب) السحر وما يلحق به:
السحر في لغة العرب هو كل ما لطف مأخذه ودق، وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وسحره بمعنى خدعه، وسحره بكلامه: استماله برقته، وحسن تركيبه [[3] ].
وأما تعريفه اصطلاحًا فإن السحر ليس نوعًا واحدًا يمكن حده بحد يميزه عن غيره وقد أشار الشافعي رحمه الله إلى ذلك بقوله: (والسحر اسم جامع لمعان مختلفة) [[4] ].
فعرف أبو بكر الجصاص السحر بقوله: (كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع) [[5] ].
قال تعالى: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه، آية 69] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) [[6] ].
قال ابن قدامة: (إن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته، وروي عن الإمام أحمد ما يدل على أنه لا يكفر) [[7] ].
ويعد السحر كفرا لعدة أسباب، منها:
أ) قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة، آية 102، 103] .
يقول الشيخ حافظ الحكمي في ذلك: (وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خلاقًا، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) [[8] ].
يقول ابن كثير: (وقد استدل بقوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا واتَّقَوْا ... } من ذهب إلى تكفير الساحر) [[9] ].
ب) قوله تعالى: {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه، آية 69] .
(1) تعظيم قدر الصلاة.
(2) التمهيد لابن عبد البر.
(3) المصباح المنير.
(4) الأم.
(5) أحكام القرءان للجصاص.
(6) متفق عليه.
(7) المغني.
(8) معارج القبول.
(9) تفسير ابن كثير.