الصفحة 47 من 50

وقد بين ابن تيمية هذه الحالة بيانًا كافيًا فقال: (أن لا يجحد وجوبها، لكنه ممتنع من التزام فعلها كبرًا، أو حسدًا، أو بغضًا لله ولرسوله، فيقول أعلم أن الله أوجبها على المسلمين، والرسول صادق في تبليغ القرآن، لكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارًا، أو حسدًا للرسول، أو عصبية لدينه، أو بغضًا لما جاء به الرسول، فهذا كافر بالاتفاق، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدًا للإيمان، فإن الله تعالى باشره بالخطاب، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكذلك أبو طالب كان مصدقًا للرسول فيما بلغه، لكنه ترك اتباعه حمية لدينه، وخوفًا من عار الانقياد، واستكبارًا عن أن تعلو أسته رأسه، فهذا ينبغي أن يتفطن له. ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولًا للتكذيب بالإيجاب، ومتناولًا للامتناع عن الإقرار والالتزام، كما قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام، آية 63] ، وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُفْسِدِينَ} [النمل، آية 14] . وإلا فمتى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفربالاتفاق) [[1] ].

ج) من ترك الصلاة استخفافًا واستهانة بها فهو كافر.

وقال الإمام أحمد في رسالة الصلاة: (فكل مستخف بالصلاة مستهين بها هو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة) .

د) من ترك الصلاة وأصر على تركها حتى يقتل فهو كافر اتفاقًا، فإن من امتنع من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطل مقرًا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها.

يقول ابن القيم عدم تكفير من تلبس بهذه الحالة، فيقول: (ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها، ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي، وإلا قتلناك، فيقول: اقتلوني، ولا أصلي أبدًا، ومن لا يكفر تارك الصلاة، يقول: هذا مؤمن مسلم يغسل، ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، أفلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة) [[2] ].

هـ) من ترك الصلاة معرضًا عنها، لا مقرًا بوجوبها، ولا منكرًا فهو كافر.

(أن يتركها - أي الصلاة - ولا يقر بوجوبها، ولا يجحد وجوبها، لكنه مقر بالإسلام من حيث الجملة، فهل هذا من موارد النزاع، أو من موارد الإجماع؟ ولعل كلام كثير من السلف متناول لهذا، وهو المعرض عنها لا مقرًا ولا منكرًا، وإنما هو متكلم بالإسلام فهذا فيه نظر، فإن قلنا: يكفر بالاتفاق، فيكون اعتقاد وجوب هذه الواجبات على التعيين من الإيمان لا يكفي فيها الاعتقاد العام، كما في الخبريات من أحوال الجنة والنار، والفرق بينهما أن الأفعال المأمور بها، المطلوب فيها الفعل لا يكفي فيها الاعتقاد العام، بل لابد من اعتقاد خاص بخلاف الأمور الخبرية، فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب وأمر المعاد يكفي فيه مالم ينقض الجملة بالتفصيل ... بخلاف الشرائع المأمور بها فإنه لا يكتفي فيها بالجمل، بل لابد من تفصيلها علمًا وعملًا) [[3] ].

(1) الصارم المسلول.

(2) كتاب الصلاة.

(3) مجموع الفتاوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت