المطلب الأول: البراءة من مودة الكفار مطلقًا
لقد استفتحت هذه السورة بتقرير مسألة أساسية هي تمايز الناس إلى فريقين؛ فريق مؤمن بالله تعالى وآخر كافر بالله سبحانه وتعالى، حيث قال الله تعالى:"يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يُخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تُسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل" [38] ، يقول ابن كثير رحمه الله:"يعني المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عدواتهم ومصارمتهم ونهى أن يُتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء" [39] ، فهذه الآية نهي صريح عن اتخاذ الكفار أولياء، ومن المهم ألا يتوهم المتدبر لهذه الآية أن في قوله تعالى:"عدوي وعدوكم"وقوله تعالى:"تلقون إليهم بالمودة"تقييدًا للنهي بهذه الأحوال، وبيان ذلك أن العداوة المذكورة لا تقتصر على الحرب العسكرية بل تشير إلى مطلق العداوة الدينية والدليل من القرآن قوله تعالى:"فقلنا يا آدم إن هذا عدوٌ لك ولزوجك" [40] يعني إبليس ومعلوم أنه لم تكن حرب عسكرية بينهما، وقال تعالى:"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا" [41] ، فالشاهد أن لفظ العداوة في القرآن أعم من المجابهة العسكرية وبالتالي لا يقتصر على الكفار الحربيين، وكذلك الحال في وصف الإلقاء بالمودة فهو ليس قيدًا للنهي وإنما حكاية لغالب الحال هدفه الإمعان في الإنكار على من تولى الكفار من المسلمين، وكأن معنى الآية: كيف تتخذون هؤلاء الأعداء أولياء ثم كيف تتوددون إليهم؟ والله تعالى أعلم، ثم تأمل كيف عاودت الآية الإنكار والتشنيع على فعل المودة هذا بكل أشكاله، والمودة في اللغة المحبة [42] ، والمحبة كما لا يخفى أصلها في القلب ولعل هذا سر قوله تعالى:"تُسرون إليهم بالمودة"مع أن سبب نزول الآية كان عملًا ظاهرًا كما تقدم معنا في قصة حاطب حيث كتب إلى قريش يحذرهم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا العمل من أعمال الجوارح الظاهرة بل إن حاطبًا قد أشهد الله على أن قلبه سليم لله ورسوله وصدَّقه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال:":"أما إنه قد صدقكم"، قلت: لعل السر في ذلك أن أعمال الجوارح التي تنم عن مودة ظاهرة للكفار لا يمكن أن تصدر إلا عن قلبٍ لهم فيه نكتةٌ ولصاحبه إليهم نوع مودةٍ باطنة، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استأذن:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، وهنا نكتة دقيقة وهي أن الشريعة حينما تعلق حكمًا شرعيًا بمناط معين ولا يكون هذا المناط منضبطًا فإن الشريعة تنتقل إلى تعليق الحكم بمظنة هذا المناط، ومثال ذلك المشقة التي هي مناط الرخصة في الفطر فإنها مناط أو حكمة غير منضبطة - أي أنها تتفاوت بين آحاد الناس - ولهذا ترى الشريعة قد علقت الرخصة بمظنة المشقة وهي السفر، قال الإمام محمد أبو زهرة:"وهذا هو الفارق بين العلة والحكمة، فإن الحكمة غير منضبطة، كالمشقة في السفر والضرر في الشفعة، ولكن الشارع ناط الحكم بأمر آخر منضبط هو مظنة تحقق الحكمة فيه" [43] ، فكذلك الحال هاهنا فإنه لما كانت علة الكفر والنفاق وجود نوع محبة قلبية باطنة للكفار وكان هذا المناط المكفر غير منضبط علقت الشريعة الحكم بمظنة هذه المحبة القلبية ألا وهي صدور المودة الظاهرة للكفار، فتأمل هذا فإنه دقيق جدًا."