الصفحة 12 من 36

ولهذا أنت تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صدق سريرة حاطب - بتصديق الوحي - ولكنه لم يجعل ذلك عذرًا في عدم إيقاع حد الردة عليه، وإنما جعل عذره أمرًا خاصًا لا يتكرر لأحد من المسلمين من بعد ألا وهو سابقته في الإسلام بشهود بدر، ولما كان هذا العذر لا يتحقق لأحد بعد البدريين عاد الحكم إلى عمومه أعني الحكم الذي صرح به عمر بن الخطاب وأقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم إقرارًا سكوتيًا بيِّنًا، وعليه فإن تذييل الآية بقوله تعالى:"ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل"يمثل حكمًا على اعتبار الشرع لدلالة الظاهر على الباطن، كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:"ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلًا على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرمًا حُكم على الباطن بذلك أو مستقيمًا حُكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصلٌ عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًا، والأدلة على صحته كثيرة جدًا وكفى في ذلك عمدةً أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي وعدالة العدل وجرحة المجرح" [44] .

فالحكم المستخلص من هذه الآية هو تحريم إسرار المودة القلبية والجهر بالمودة الظاهرة للكفار مطلقًا، وأن مجرد كفرهم مقتضٍ للعداوة كما في المواضع التالية من السورة، وإن من مظاهر الجهر بالمودة للكفار إعانتهم على المسلمين برأي أو مشورة أو توجيه مهما ادعى فاعل ذلك سلامة القلب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وهذا حكم جليٌ واضح في الآية، يوضحه سياق الواقعة التي تنزلت بسببها الآية كما تقدم في قصة حاطب، ولا يخفى أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين كاتب الكفار بالخبر كان يعلم من نفسه سلامة قلبه لدين الله ويعلم من الوحي المنزل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرٌ في تلك المعركة حيث بشره الله تعالى بالفتح مرجعَه من الحديبية وبالتالي فهو على يقينٍ أو ظنٍ غالب بأن مكاتبته للكفار لن تؤثر شيئًا في سير المعركة ومع ذلك كله لم تشفع هذه المحترزات لفداحة هذه الخيانة، ولا أظن أحدًا ممن يتلبس بأمثال هذه الخيانة له من السابقة في الإسلام ما لحاطب رضي الله عنه ولا عنده من ضمانات عدم تضرر المسلمين بمظاهرته ومودته للكفار ما كان عند حاطب رضي الله عنه، فأين يذهب هؤلاء من وصم الضلالة في قوله تعالى:"ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل".

ولما كان النهي عن مودة الكفار أقرب إلى منهج التخلية والتصفية لم تقف السورة عند حدود تمييز الكفار عن المسلمين والتنبيه على مواطن الخطر فيهم حيث قال تعالى:"إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون" [45] ، بل أمعنت السورة في اجتثاث كل الأوهام المتعلقة بمعاقد الولاء والبراء المتنوعة والتي عادة ما تدور حول جلب المصالح ودرء المفاسد، فقال الله تعالى:"لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير" [46] ، قال الإمام القرطبي رحمه الله:"لما اعتذر حاطب بأن له أولادًا وأرحامًا فيما بينهم بيَّن الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئًا يوم القيامة إن عُصي من أجل ذلك" [47] ، قلت: بل ثبت أن هذه القرابات التي يُعصى الله لأجلها تعود بالخسران والوبال على العاصي فكيف يصح في العقل أن يتولى ويحب المرء ما من شأنه أن يجلب له الضرر، فتمحض من ذلك أن المودة لا يمكن أن تنصرف إلا لما يعود بالخير والمصلحة على الإنسان أما ما عدا ذلك فهذيان وتيه وضلال نسأل الله العافية.

[38] سورة الممتحنة - 1

[39] تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 109/ 8

[40] سورة طه - 117

[41] سورة الكهف - 50

[42] القاموس المحيط - الفيروزآبادي

[43] أصول الفقه - محمد أبو زهرة - 212

[44] الموافقات - الشاطبي - 164/ 1

[45] سورة الممتحنة - 2

[46] سورة الممتحنة - 3

[47] الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - 51/ 18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت