انتقلت السورة بعدما عالجت الموقف الخطير الذي تلبس به حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى حسم مادته، وهذا في غاية الحكمة والحسن، لأن معالجة ظاهر الأمور دون اجتثاث جذورها لا يغني شيئًا في معالجة أس الداء وأصل البلاء، ولئن كان لحاطبٍ رضي الله عنه مزية شهادة الوحي على صفاء قلبه من مناط الكفر وسابقة بدر في مغفرة زلته فإن هذا لا يتأتى لأحد بعده لا سيما وأن السورة قد بددت أوهام عذره الذي اعتذر به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إن اعتذاره رضي الله عنه أكبر دليل على أن إعانة الكفار أمارة كفرٍ وردة مترسخة عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأمل معي قوله رضي الله عنه:"ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام" [48] ، والشاهد أن السورة بعد نزول آياتها الأولى لمناسبة الموقف فإن ما تلا من آياتها قد نزل لحسم مادة الزيغ والزلل وتقرير مبدأ الولاء المطلق لله تعالى والبراء المطلق من كل ما سواه، ولئن افتقر تقرير هذا الأصل لموقف يتنزل عليه أو مناسبة يتحدث عنها وقت النزول فإن السورة قد طرحت هذا الأصل في سياقٍ عمليٍ تطبيقيٍ بديع من خلال موقف أبي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه مع قومه، فلنتدبر:
قال تعالى:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم. لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم والآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" [49]
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:"لما نهى الله عز وجل عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وأن من سيرته التبرؤ من الكفار؛ أي فاقتدوا به واتمُّوا إلا في استغفاره لأبيه" [50] ، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه" [51] ، قلت: وهذه القصة التي أمرنا الله تعالى بالاقتداء بنبيه وأتباعه المؤمنين فيها يجب تدبرها جيدًا لعزة معانيها وحسن تقريرها، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: وجوب الإعلان باللسان عن استبراء القلب من الكفر: