لقد تقدم معنا في قصة حاطب أن مناط الإنكار والتشنيع كان على سلوكه الظاهر الذي اعتبر مظنة ميل القلب ومحبته للكفار، ولما قررت السورة تحريم ذلك كان مناسبًا أن تقابلَ منع إظهار المودة للكفار الملازم عادةً لمودتهم في الباطن بمطالبة المؤمنين بإظهار نقيضه من التبرؤ منهم والإعلان ببغضهم تعبيرًا عما يجب أن يستقر في الباطن من ذلك، وهذه المقابلة في غاية الحسن لأن القلب إما أن يكون مشغولًا بحب الله أو حب عدوه، فإذا كان الأول فقد وُجد الدافع على الإعلان بذلك باللسان والجوارح، وإذا كان الدافع موجودًا والمانع مفقودًا امتنع ألا تظهر مظاهر حب الله القولية والفعلية، كما أن العكس صحيح فإن الإعلان بمظاهر المودة القولية والفعلية للكفار من غير إكراه معتَبَر لا معنى له سوى ضعف الدافع القلبي المتولد عن حب الله أو وجود المانع من إعلان ذلك الحب، وكلا الأمرين لعمر الحق داء خطير فإن عدم تمكن محبة الله في القلب لا يكون إلا وفي القلب شاغل عن الله وهي المحبة الشركية كما أن توهم مانع يقوى على حبس محبة الله في القلب وعدم الإعلان بها نقص في تحقق موجبات حب الله في قلب العبد، أما من اطمأن قلبه بحب الله فلا يمكن ألا يباشر إلى إعلان مظاهر هذا الحب بالقول والعمل كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهذا نظير امتناع الحكم للمرء بالإسلام مع امتناعه عن قول لا إله إلا الله فإن من وقر الإيمان في قلبه وفقد المانع عن إدلائة بالشهادة على ذلك يمتنع عليه ألا يعلن بتلك الشهادة ويمتنع الحكم له بالإسلام بدون تلك الشهادة القولية، تأمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عملٍ ظاهر" [52] ، ثم قال ناقلًا عن أبي ثور في رده على المرجئة:"اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به"أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام ثم قال:"لم يعقد قلبي على شيء من ذلك"أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذ لم يكن معه التصديق مؤمنًا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا، حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه .." [53] قلت: أي مع العمل بالجوارح أيضًا، والشاهد هنا امتناع انعقاد الإيمان ولوزامه - كالمحبة والولاء القلبيين - في القلب مع عدم ظهور ذلك في قول اللسان وعمل الجوارح بحسبه، ولهذا كان التوجية القرآني للتأسي بقول إبراهيم عليه السلام وأتباعه المؤمنين لقومهم:"إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم"، قال ابن كثير:"أي كفرنا بدينكم وطريقتكم" [54] ، وهذا الإعلان الظاهر كله بقول اللسان كما لا يخفى."
ثانيًا: وجوب بدو العداوة والبغضاء للكفار: