الصفحة 15 من 36

وهذا ظاهر في قوله تعالى:"وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا" [55] ولعل هذه الآية مما يُشكل على البعض لتوهم المبادرة بالعداوة على الغير، والحقيقة أن هذا وهمٌ باطل ولولا انتشاره بين كثير من المسلمين لما استحق عناء الرد عليه، وتحرير المسألة وسرها يعود إلى ما استفتحت به السورة آنفًا من قوله تعالى في وصف الكفار:"عدوي وعدوكم" [56] ، فلقد أثبت الله تعالى وصف العداوة للكفار ابتداءً كما أثبت أن هذه العداوة متوجهة إلى الله سبحانه وتعالى ورتب على ذلك توجهها إلى المسلمين، يقول الشيخ محمد عطية سالم:"والذي يظهر والله أعلم أن التقديم لغرض شرعي وبلاغي وهو أن عداوة العبد لله هي الأصل وهي أشد قبحاًَ فلذا قُدمت، وقبحها في أنهم عبدوا غير خالقهم وشكروا غير رازقهم وكذبوا رسل ربهم وآذوهم" [57] ، ثم جاء قوله تعالى:"يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم" [58] ليؤكد استطالة الكفار على المسلمين لا لشيء إلا لكونهم آمنوا بالله فأكد ذلك أن هؤلاء معادون لله تعالى ابتداءً، وهذا هو الترتيب الصحيح لهذه العداوة فالمؤمنون لم يبادروا أحدًا بالعدوان كما أن الله تعالى لم يبادر عبيده إلا بالهدى والرحمة فلما أَبَقَت هذه الفئة الضالة وتمردت على خالقها وشتمته وآذته - كما جاء في الحديث الصحيح - كان مقتضى العدل رد العداون بمثله، ولهذا فإن قوله تعالى:"وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا" [59] إنما هو من جنس المعاملة بالمثل إذ أن هذه العداوة والبغضاء عداوة دينية لا غير وهي بهذا الاعتبار محمودة مطلقًا كما أنها بهذا الاعتبار يجب أن تنضبط بضوابط الشرع بحيث لا يكون لحظ النفس فيها مدخلًا، وهذا واضح في الغاية التي تنتهي إليها هذه العداوة حيث قال تعالى حاكيًا حال إبراهيم عليه السلام:"حتى تؤمنوا بالله وحده"فهذه الغاية التي تنتهي عندها العداوة تؤكد على طبيعة العداوة الدينية، وكأن سياق الآيات ينبه المسلمين: أليس هؤلاء الذين ألقيتم إليهم بالمودة أعداء الله عز وجل الذين كفروا به وأعداؤكم الذين أخرجوكم من دياركم وأهليكم وأموالكم لا لشيء إلا لإيمانكم بالله عز وجل ولو أنهم تمكنوا منكم لأثخنوا فيكم ولاستطالوا عليكم بالقول واليد، وهؤلاء هم هم الذين عادوا الله من قبل وعادوا رسله وأنبياءه ومنهم إبراهيم عليه السلام وقومه إذ دعاهم إلى التوحيد فقابلوه بالسخرية والتهديد بالرجم ثم التحريق بالنار وهو يدعوهم ويستغفر لمن ظن أنه يؤمن منهم فلما استقر حال عداوتهم لله تبرأ منهم لِحَق ربه لا لحظ نفسه فكيف توالون هؤلاء بميل قلب أو بقول لسان أو بفعل جارحة، ألا فلتلزموا سنة أبيكم إبراهيم ولتعلنوها براءة من الكفار كما أعلنتموها براءة من الكفر.

ثالثًا: وجوب توطين النفس على الصبر على الأذى في الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت