الصفحة 16 من 36

إن كلمة التوحيد التي ميزت الناس إلى فريقين مؤمن وكافر مناطُ ابتلاء وتمحيص واستدراج وتغرير؛ فأما الابتلاء والتمحيص فللمؤمنين يستخرج الله تعالى عبودية هذا الفريق بتخليص توحيدهم وتجريده عن كل حظوظ النفس وعلائق الدنيا فيتميز من أسلم لغاية الدنيا ممن أسلم لحب الله وحده، وأما الاستدراج والتغرير فللكفار يمكِّنهم الله تعالى تارة من إلحاق بعض الأذى بعباده المسلمين ليغري بهم ويوهمهم أنهم على شيء فتزيد أثقالهم من الآثام التي يعذبون بها في الآخرة جزاء إعراضهم عن هدى الله تعالى وأوامر رسله في الدنيا، ولا شك أن إغراء الكفار بالمسلمين يزداد كلما أعلن المسلمون بمكنون قلوبهم من التوحيد والحب لله تعالى، فكان من المناسب بعد أن وجهت الآية الكريمة إلى حسن الاقتداء بإبراهيم عليه السلام في الإعلان القولي والعملي بالتبرؤ من الكفار وإبداء بغضهم أن توجه المسلمين إلى العدة اللازمة لمواجهة الأذى المترتب على هذا الإعلان، وهذا غاية الحسن في الترتيب فقال الله تعالى:"ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم" [60] ، فهذه مقومات الصبر وهذه عدة المواجهة، قال الإمام القرطبي رحمه الله:" (ربنا عليك توكلنا) هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه، وقيل: علم المؤمنين أن يقولوا هذا، أي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا: (وعليك توكلنا) أي اعتمدنا (وإليك أنبنا) أي رجعنا (وإليك المصير) لك الرجوع في الآخرة، (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) أي لا تُظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك، وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا، (واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) " [61] ، قلت: لقد جمعت هذه الآيات من روائع الخضوع والعبودية لله عز وجل ما يحتاج إلى إفراده بالتصنيف ولكن أعرج على بعض الأمور فيما يلي:

1)عدة التوكل: وهذا في غاية المناسبة لسياق الحال، إذ لما تبرأ المؤمنون من الكفار لاجتماع دواعي العداوة من جهة ولانتفاء دواعي الموالاة من جهة أخرى حيث إن الكفار لا يملكون للمؤمنين ضرًا ولا نفعًا تصرفه أو تجلبه موالاتهم كان من المناسب أن يتبرأ المؤمنون من حولهم وقوتهم إلى الله عز وجل لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فلما تبرءوا من الكفار ثم تبرءوا من حول أنفسهم لم يبق إلا جناب الله تعالى يلوذون به، فاجتمعت البراءة المحمودة من المخلوقين مع التولي المحمود للخالق فكان ذلك أقوى معتمد وأحرى مستند للمؤمنين، فتأمل هذا فإنه في غاية الحسن.

2)عبادة الإنابة والرجوع: والإنابة عبودية يتعبد الله تعالى بها في الدنيا في حين أن الرجوع هو نفس المآل إلى الله تعالى في الآخرة، فقوله تعالى:"وإليك أنبنا وإليك المصير"هو غاية اليقين من هذه الثلة المؤمنة بقوله تعالى:"لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير" [62] فلما تيقن هؤلاء أن المصير والرجوع إلى الله تعالى في المآل حيث لا ينفع مال ولا بنون، انقطعوا عن هذه العلائق الدنيوية ولم يلتفتوا إليها وعادوا إلى ربهم خاضعين متذللين يلوذون بجنابه العظيم ويرجون عنده أسباب العزة والتمكين، فالمخلوق عندهم وجوده وعدمه سواء، كما قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية:"أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، (وإليك المصير) أي المعاد في الدار الآخرة" [63] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت