الصفحة 17 من 36

3)عدة الدعاء: إن التزود بهذه العبادة زاد رئيسي لمن أراد أن يمضي في هذا الطريق، طريق التبرؤ من الكفر وأهله مهما كان وعيدهم ومهما كان تهديدهم، ولما كان المؤمن يعلم ضعف نفسه ويخشى على جوهرة التوحيد في قلبه أن تخدشها العوادي فإنه لن يجد لنفسه بدًا من الدعاء إلى الله عز وجل ليصرف عنه هذا السوء، وتأمل الأدب الجم في صيغة الدعاء التي سنها لنا إبراهيم عليه السلام ورضيها الله تعالى لنا أسوة وقدوة:"ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم" [64] ، حيث اشتمل الدعاء على الإقرار بربوبية الله عز وجل وبافتقارهم إليه سبحانه في غفران ذنوبهم ثم لما عرضوا مسألتهم لم يتطاولوا على جناب الله عز وجل فيقولوا: اللهم لا تمتحنا ولا تمحصنا ولا تختبرنا، لم يقولوا ذلك لأن ذلك ليس إليهم بل إلى الله وحده هو أعلم وأحكم بما فيه صلاح نفوس عباده، ولكنهم عرضوا مسألتهم عرض المشفق على نفسه المنطرح على عتبة سيده ومولاه يخافون أن يصل بهم الامتحان والتمحيص إلى ما لا يطيقون معه ثباتًا على الحق، فهم يخافون من أن تزل قدمهم بعد ثبوتها ولا يعنيهم بعد ذلك أن تفنى وتضمحل أجسادهم في سبيل الله عز وجل، لسان حالهم قول الشاعر:

لئن ساءني أن نِلتني بمساءةٍ قد سرَّني أني خطرتُ بِبالكا

وقول الآخر:

إن كان سرَّكمُ ما قال حاسِدُنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ

فهذا دعاء إشفاق وافتقار إلى الله تعالى وتبرؤ من كل حول وقوة إلا حول الله وقوته، قال مجاهد:"معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا" [65] ، فهمُّهم الحقيقي هو ظهور الحق لا الضن بأجسادهم أن تبذل في سبيل الله، وغايتهم ظهور الحق مهما كلف الأمر وغاية ما يخشونه أن يلبّس على الحق فيظهر أهلُ الباطل باطلهم بصورة تفتن الناس عن مراد الله عز وجل، ولعمر الحق إن هذا غاية التفاني في خدمة الحق والانتصار لكلمة الله سبحانه وتعالى، فتأمل.

4)مناسبة أسماء الله تعالى الواردة للموقف: وهذه أيضًا مناسبة بديعة إذ لما كان موقف الفتنة الذي يُخشى معه ظهور الكفار على المسلمين موقفًا قد يُستشعر فيه نوع مهانة وانكسار ناسب أن يدعو الله تعالى باسمه"العزيز"،قال ابن كثير في قوله تعالى:"إنك أنت العزيز"أي: الذي لا يُضام من لاذ بجنابك،"الحكيم"في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك. اه. [66] ، قلت: أي إنهم بعد دعائهم وعرض مسألتهم أذعنوا لله تعالى بأنه هو العزيز بذاته فهم لا يرومون عزةً عند من سواه، وهو الحكيم فيما يأمرهم به شرعًا من التبرؤ من الكفار وفيما يقدره عليهم قدرًا من أنواع الابتلاءات ليتبين أن دعاءهم ليس من جنس الاعتراض على أمر الله الشرعي ولا القدري وإنما هو دعاء عبادة وخضوع وذلة وانكسار للعزيز الحكيم، وهذا في غاية المناسبة لسياق الموقف.

رابعًا: تحرير القصد والغاية من عبادة الولاء والبراء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت