الصفحة 18 من 36

بعد أن وضعت السورة أنموذجًا يحتذى في سلوك إبراهيم عليه السلام مع قومه وحررت موضع التأسي من ذلك جاءت الآية بعد لتؤكد على موضع التأسي وهو التبرؤ من الكفار وإبداء العداوة والبغض الدينيين لهم من جهة، ولترتقي بالمسلمين إلى أسمى المقاصد المرجوة من وراء هذا الاقتداء والتأسي، فقال تعالى:"لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد" [67] ، قال ابن كثير رحمه الله:"وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم لأن هذه الأسوة المثبتة ههنا هي الأولى بعينها" [68] ، قلت: لعل التركيز في الآية الأولى كان على تحرير موضع التأسي في حين جاءت الآية الثانية للتأكيد على ضرورة هذه التأسي فجاءت لام التوكيد مع (قد) مبالغةً في التوكيد في هذا الآية، ثم انتقلت مباشرة إلى بيان القصد من هذا التأسي وهذا إشارة إلى أن موضوع الأمر بالتأسي ليس للتخيير بل هو طريق لازم لمن أراد أن يلاقي الله تعالى في الآخرة على حالة يصلح فيها معاده، ثم نبهت الآية على أنه ليس وراء ذلك إلا الخسران المبين كما هو واضح من لهجة التهديد في قوله تعالى:"ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد"، فالتولي هنا الإعراض عن أوامر الله عمومًا، ويحتمل أيضًا تولي الكفار وموالاتهم [69] ، والمناسبة بين سياق الآية واسم الله تعالى الغني الحميد جلية لمن تدبر؛ فإن الأمر بتولي المؤمنين لله والتبرؤ من الكفار ليس لافتقار الله تعالى إلى خلقه تقدست ذاتُه العلية عن ذلك، فإن الله هو الغني بذاته لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين، وهو سبحانه الحميد بذاته الموصوف بالجميل الاختياري غير مفتقر لما سواه جل في علاه. والحقيقة إن لهجة التهديد واضحة في هذه الآية كما هي واضحة في القرآن كله لمن أعرض عن أمر الله بعد أن جاءه ولمن أعرض عن هدى الله بعد أن أرشده الله تعالى إليه، فلا نجاة للعبد ولا فلاح في معاده إلا بتولي الله عز وجل وحزبه من المؤمنين وبالتبرؤ من أعدائه سبحانه وتعالى وقطع كل صلة معهم مهما أغرت المصالح الدنيوية بإبقاء هذه الصلات أو تمكينها.

خامسًا: تبعُّض الولاء والبراء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت