الصفحة 19 من 36

إن من تدبر في اختيار قصة إبراهيم عليه السلام مثالًا يحتذى في باب الولاء والبراء مع ما عرضته الآية الكريمة من الاستثناء في الأمر بالتأسي فيه نكتةٌ دقيقة يجب التمعن فيها لأهميتها، ذلك أنه قد اجتمع في إبراهيم عليه السلام أمران؛ أحدهما أقره عليه الوحي وأثنى عليه وهو تبرؤه من الكفار، والثاني موعدة إبراهيم أبيه بالاستغفار وهو ما أنكره الوحي واستثناه من التأسي، والنكتة في الأمر أن تلبس إبراهيم عليه السلام بهذا الفعل الذي أنكره الوحي لم يمنع من الثناء على فعله الآخر المحمود والأمر بالاقتداء به، وكأن هذه إشارة إلى أن الفرد قد يجتمع فيه ما هو محمود شرعًا وما هو مذموم شرعًا فلا يمنع الأخير من تولي هذا الفرد بداعي الاجتماع على الأول، وأعني بالفرد بطبيعة الحال المسلم، ومن هنا يتقرر مبدأ مهم في مسائل الولاء والبراء ألا وهو تجزُّؤ وتبعُّض الحب والموالاة الإيمانية بالنسبة إلى آحاد المسلمين؛ حيث أنه إذا ثبت عقد الإيمان المجمل لفرد من الأفراد ثبتت له جملة من الحقوق منها وجوب موالاته وحبه في الله لأجل ذلك الحد الأدنى من الإيمان الذي تحقق لديه، وهو المشترك الإيماني الأدنى بين كل من يصح نسبته إلى عقد الإيمان المجمل، وعلامات هذا الانتساب علاماتٌ ظاهرة يدخل بها العبد في ذمة الله تعالى كما في الحديث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته" [70] ، وقد قال تعالى:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا" [71] . وإن من جملة ما يثبت بهذا العقد الموالاة القائمة على أساس رابطة الأخوة الإيمانية بغض النظر عن أفعال وأقوال المكلف من جنس المعاصي غير المكفِّرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص:"فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف" [72] " [73] ، وقال الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله في الشرح:"يعني أن الأُخوَّة بين المؤمنين ثابتة ولو مع المعصية، فالزاني أخ للعفيف، والسارق أخ للمسروق، والقاتل أخ للمقتول" [74] . قلت: ثم يتفاضل هذا الحب والولاء زيادةً ونقصانًا بحسب ما يظهر من الفرد من أعمال ظاهرة موافقة للشرع، وقد يجتمع له مع ذلك تبرؤ وبغض في الله لما قد يظهر منه من أعمال مخالفة للشرع، فيجتمع الحب في الله والبغض في الله في نفس الفرد فيُحَب من جهة طاعته ويوالى عليها ويُبغض من جهة معصيته لله عز وجل ويتبرأ منها، كما قد يجتمع فيه برٌ وفجور، وسنةٌ وبدعة، وإيمانٌ ونفاق (أعني الفجور والبدعة والنفاق غير الناقل عن الملة) ، وتأمل معي حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربع من كُن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خَصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" [75] ، وحديث أبي ذر لما سابب رجلًا فعيره بأمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" [76] ، وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك [77] ، وهذا الفعل المنسوب إلى الجاهلية قد وقع ممن نقطع بإيمانه وعدالته - أعني أبا ذر رضي الله عنه - ومع ذلك اجتمعت فيه المعصية مع الطاعة، كما اجتمع في الحديث السابق النفاق غير الاعتقادي مع الإيمان، والأمثلة كثيرة وإنما أردنا التنبيه ببعضها.

والشاهد هنا أنه يمكننا أن نستشف مبدأ تبعض الولاء والبراء من صيغة عرض قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، مع مراعاة الأدب مع نبي الله صلوات الله وسلامه عليه حيث إن الله تعالى قد بين عذره ولم يبق لنا إلا الموالاة الكاملة لأبينا إبراهيم عليه السلام بعد أن تحرر موضع الشبهة وأكدت الآية الثانية على وجوب التأسي به صلوات الله وسلامه عليه كما تقدم معنا في البند السابق، وإنما أردنا أن نبين هذا الملحظ لأننا أحوج ما نكون إليه اليوم مع إخواننا في الدين حيث ليس لأحد بعد أنبياء الله ورسله عصمة وحيث انقطع الوحي فلم يعد يعول على تبرئة الوحي للبواطن واقتصر الأمر على الحكم بالظواهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت