لقد أمعنت السورة في تحرير موضع النزاع ومناط العداء مع الكفار، فأكدت في بداية السورة على أن العداوة الأصيلة لهؤلاء مبنية على عداوتهم لله تعالى كما بينا سابقًا، كما بينت أن صلات القربة والمصالح لا تستجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا يدعو المسلمين إلى مراعاتها في تبرؤهم منهم، ولما كان ذلك كله قائمًا على التبرؤ والقطيعة سلكت السورة مسلكًا بديعًا آخر في تحرير مناط العداوة وذلك في قوله تعالى:"عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم" [78] ، حيث بينت هذه الآية أن الأمر لا يقتصر على التبرؤ من الكافر فحسب بل إنه يدور مع مناط العداوة الدينية وجودًا وعدمًا فحيث وجد العداء الديني بالكفر ثبتت البراءة وانتفت المودة، وحيث انعدمت العداوة الدينية بالانقياد لدين الحق انتفت البراءة وثبتت المودة، ولقد كان منهج السورة في تقرير هذه المسألة منهجًا بديعًا حيث جاءت هذه الآية بعد اشتداد مشاعر المسلمين وانفعالاتهم ضد أعداء الله وأعدائهم وبعد ست آيات متتابعات تأتي كل منها بعد الأخرى على أي ذريعة من ذرائع المودة للكفار فإذا بهذه الآية تقلب المسألة رأسًا على عقب وترجي المؤمنين رجاءً أكيدًا في تحول هذه العداوة إلى مودة، لأن (عسى) من الله إيجاب وتأكيد [79] ، وهنا لا بد أن يقع السؤال في ذهن السامع: كيف تنقلب العداوة إلى مودة؟ ويكون الجواب في قوله تعالى:"والله غفور رحيم"يغفر لمن أسلم سابقة كفره وشركه ويدخله في رحمته بتوفيقه للإسلام، (لأن المودة المتوقعة بسبب هداية الكفار، والهداية منحة من الله تعالى) [80] ، فإذا كان الأمر كذلك تقرر ورسخ في النفوس أن الموالاة والبراءة مدارها على أمر واحد هو الدين؛ فمهما يكن من ضغائن وعداوات مردها إلى الدنيا فإنها تسقط تحت الأقدام بمجرد إسلام الكافر، وتأمل مصداق هذا فيما جرى يوم الفتح، هذه هند بنت عتبة التي كانت قد مثلت بسيد الشهداء حمزة رضي الله عنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم ومضغت كبده وفعلت الأفاعيل تأتي يوم الفتح مبايعةً مسلمةً فيسقط حظ النفس أمام كلمة التوحيد، ويتقدم الولاء الإيماني على كل مصالح الدنيا وحظوظ النفس، وحري بمثل هذه المبادئ أن تجري على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم الأمة أن لا مكان للحقد ولا للثأر ولا لنفس مع حق الله عز وجل، وأن مدار الأمر كله على النفي والإثبات أو التبرؤ والموالاة التي أثبتتها هذه الكلمة؛ لا إله إلا الله، ولما كان الأمر كذلك كان من المناسب جدًا أن أناطت الآية أمر الهداية كله بقدرة الله تعالى وذلك في قوله:"والله قدير"، قال ابن كثير رحمه الله:"أي على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة"، قلت: بل انظر إلى أعجب من هذا مما يفعله الإسلام في النفوس حيث يترسخ معقد الولاء في كلمة لا إله إلا الله، ففي الحديث أن أبا سفيان رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:"يا نبي الله، ثلاث أعطنيهنّ. قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: نعم. قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم." [81] ، فها هو عدو المسلمين بالأمس قد دخل في حزب الله وانقلب ولاؤه لأعداء الله الكفار براءةً منهم وحربًا عليهم، وما الذين تغير في أبي سفيان يوم فتح مكة حتى يتحول هذا التحول، إنه الإسلام لا غير.