الصفحة 29 من 36

لقد أمعنت السورة كما بينا في تقرير وتحرير مسائل الولاء والبراء، ولربما استغرق المتدبر في آياتها في بعض الجزئيات والتفاصيل فوجد نفسه بعيدًا عن الأصل الذي جاءت السورة لتقريره، هذا مع ما أشرنا إليه سابقًا من الوحدة الموضوعية لهذه السورة العظيمة يتجلى بشكل بديع في تقرير هذه القاعدة القرآنية الجليلة حيث قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضِب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور" [103] ، فهذه الآية إنما هي عَودٌ على بدء، حملها بعض المفسرين على التوكيد لعموم الكفار بعد أن بدأت السورة بفئةٍ خاصةٍ منهم هم كفار قريش، وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:"ينهى تبارك وتعالى عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها فقال تعالى:"يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم"يعني: اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء" [104] ، وذهب البعض من المفسرين إلى تخصيص المعنى باليهود باعتبار أن لفظ الغضب قد أصبح عَلَمًا لهم في القرآن الكريم كما في قوله تعالى:"غير المغضوب عليهم" [105] ، وعليه فإن الآية تؤسس لمعنى جديد غايته قطع أمل المؤمنين عن الطمع في موادة وموالاة هذا الصنف من الكفار أي اليهود [106] ، والحقيقة إن لفظ الغضب وإن كان عَلَمًا على اليهود فإنه لا يختص بهم في القرآن الكريم فلقد ورد في المنافقين والمشركين أيضًا كما في قوله تعالى:"ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السَوء عليهم دائرة السَوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا" [107] ، فلعل القول بعموم الكفار في هذا المقام أولى وأحرى، ولكن هنا نكتة دقيقة وهي أن غضب الله تعالى على اليهود ومن على شاكلتهم كان بسبب إعراضهم عن الهدى والحق بعد إذ جاءهم، وكأن هذا الوصف تحذيرٌ مبطن للمؤمنين من أن يُعرضوا عما جاء في هذه السورة من أوامر ونواهي فيعرضوا أنفسهم لغضب الله تعالى كما حصل من اليهود ومن على شاكلتهم من الكفار، وهذا غاية التحذير من سلوك طريق هؤلاء لا سيما وأنهم:"قد يئسوا من الآخرة" [108] أي من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله عز وجل [109] ،"كما يئس الكفار من أصحاب القبور" [110] ، أي كما حكم الكفار بعدم بعث أمواتهم أو كما انقطع رجاء من مات من الكفار ووُري القبور من كل خير حيث انقطع رجاء توبتهم وكلا القولين بمعنى [111] .

والحقيقة إن ختم السورة بهذه الآية تلخيص لما ورد فيها من هذه الأصل الإيماني العظيم أعني أصل الولاء والبراء وقد نبه الله تعالى في الآية على مكان التخلية وهو التبرؤ من الكفار صراحةً واكتفت الآية بالمقابلة الواضحة بين هذا التبرؤ وبين الموالاة الواجبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث ترسخت هذه المقابلة بين هذين الضدين واستقرت في قلوب المؤمنين بعد هذه السورة ضرورة هذا التلازم بين الولاء والبراء، فكانت هذه الآية قاعدة جليلة وجيزة مفادها: إياكم أيها المؤمنون الموالون لله تعالى وحزبه من أن تتولوا أولئك الكفرة الذين نالوا غضب مولاكم فإن ذلك سبيل إلى الانقطاع عن الخير كل الخير.

والله تعالى أعلم.

[103] سورة الممتحنة - 13

[104] تفسير القرآن العظيم - 131/ 8

[105] سورة الفاتحة - 7

[106] أضواء البيان - 331/ 5

[107] سورة الفتح - 6

[108] سورة الممتحنة - 13

[109] تفسير القرآن العظيم - 131/ 8

[110] سورة الممتحنة - 13

[111] تفسير القرآن العظيم - 132/ 8 بتصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت