إن الامتحان السابق المتعلق بالهجرة إلىلنبي صلى الله عليه وسلم حادثة معينة انقضى زمانها وانقضى حكمها الخاص المتعلق بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة كما هو نص الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" [100] ، ولكن الحاجة إلى تمحيص الأفراد وتحقيق جملة من المظاهر العملية التي يتميز بها من له حق الولاية والنصرة عن غيره أمرٌ قائمٌ ما قامت للمسلمين جماعة، وهنا يبرز دور الآية التالية من السورة حيث قال تعالى:"يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم" [101] ، حيث قررت هذه الآية المنهج العملي الذي يجب على المسلم أو المهاجر الجديد أن يلتزم به، لا أقول المهاجر من مكة إلى المدينة بل أقول المهاجر من الكفر إلى الإسلام ومن الفسق إلى الطاعة والانقياد، إنها الهجرة التي لا تنقطع والتي نبه عليها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في قوله:"والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" [102] ، فالسورة تنتقل من خصوصيات الواقعة إلى عموميات المبدأ بأسلوبٍ بديع حيث إنه من السهل الوقوف والجمود على خصوصيات واقعة معينة ومحاولة التملص من الالتزام بها، ولكن أي حجة تبقى لمن قررت له السورة هذا المنهج القرآني الفريد في الهجرة إلى الله تعالى على سنن رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وبكلام آخر فإن مسألة الولاء والبراء التي تقرر أنها تدور حول معقدٍ واحدٍ وحيد هو الدين لا بد لها من أمارات وعلامات تمكِّن آحاد المتعاقدين من التعرف على بعضهم البعض، وهنا يبرز دور بنود هذه البيعة الفريدة في تحقيق هذه الأمارات، ولا يستشكل أحدٌ تعدد بنود البيعة وبالتالي تعدد علامات الانتماء، إذا أن مدار المسألة على وجود حد أدنى هو الإيمان المجمل الذي يستحق معه أصل الموالاة الإيمانية وهذا مقرر في مواضع أخرى من السورة كما أنه مقرر بالبند الأول من البيعة:"ألا يشركن بالله شيئًا"، ثم إن الإيمان ليتفاضل زيادةً ونقصانًا بحسب الالتزام ببنود البيعة الأخرى، فكلما التزم المسلم ببنود البيعة كلما زاد حظه من الموالاة الإيمانية، ومهما أخل ببند من البنود مع بقاء أصل الإيمان لديه استحق من الولاء والبراء بحسب ذلك كما نبهنا عليه عند الكلام على تبعض الولاء والبراء، وإن تحرير هذه المسألة اليوم من أهم ما يعين على التعامل مع المسلم الآخر الذي قلما يسلم اليوم من زلة أو كبوة في وقت نحن أحوج ما نكون إلى التماسك والترابط والنصرة والموالاة.
[93] سورة الممتحنة - 10
[94] الجامع لأحكام القرآن - 55/ 18
[95] فتح الباري- 629/ 9
[96] راجع غير مأمور: أضواء البيان - 327/ 5
[97] سنن ابن ماجة - كتاب المناسك -حديث 2892
[98] سورة الممتحنة - 10
[99] سورة الممتحنة - 10 - 11
[100] صحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث 1864
[101] سورة الممتحنة - 12
[102] صحيح البخاري - كتاب الإيمان - حديث 9