الصفحة 27 من 36

ولما كان إيمان المؤمنة وهجرتها يترتب عليه فسخ نكاحها من زوجها الكافر الذي هجرته، كان من تمام التشريع الالتفات إلى الأنكحة المستصحبة في المجتمع المسلم الجديد وتطهيرها مما لا يليق بمقام التبرؤ من الكفر كل الكفر، فجاء الأمر بفك عصمة المسلمين لزوجاتهم الكافرات كما ذكره المفسرون، وهنا مسألة لطيفة جدًا لعلها من الحِكم الخفية وراء الأمر بامتحان المؤمنات المهاجرات، فهذه المؤمنة المهاجرة لو لم يؤمر بامتحانها لما شعر بها المسلمون ولربما عزَّ عليها أن تعرض نفسها للزواج لما في ذلك من شبهة ابتغاء عرض الدنيا وهي التي هاجرت للتو من دار الكفر لدار الإسلام ابتغاء ما عند الله عز وجل ناهيك عن عزة نفسها التي لا تريد خدشها تارة بترك زوجها الأول وتارة أخرى بالبحث عن زوج جديد، فكان في الأمر بامتحان هؤلاء النسوة نوع تنبيه للمسلمين على أن هذه المهاجرة الجديدة بحاجة إلى من يحصنها ويعصمها بالزواج منها وهذا يكاد يكون صريحًا في قوله تعالى:"ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن" [98] ، وهذا الشرط بإعطاء المهر والصداق فيه إشارة إلى عدم استغلال وضعهن فيبخسهن مهورهن، فإذا كان الأمر كذلك من محاولة التعريض بنكاح هؤلاء النسوة كان من المناسب جدًا أن يأتي الأمر بفك عصمة الزوجات الكافرات تكميلًا للبراء من الكفر من جهة، وإبراءً لذمم المسلمين المشغولة بهؤلاء الزوجات لتتسع للزوجات الجدد، إنها عملية تطهير للمجتمع المسلم من الصنف الكافر ليحل محله الصنف المؤمن، لا سيما في بيوت وأسر المسلمين التي ستتحول إلى مصانع الرجال المؤمنين، ثم جاءت الأوامر والتوجيهات بتصفية النواحي المادية المتعلقة بفسخ الأنكحة القديمة وإنشاء هذه الأنكحة الجديدة حتى لا تقف الأمور المادية عقبة أمام سيل التطهير هذا، فكان الحل الحاسم والأمر الجازم في قوله تعالى:"واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم. وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون" [99] ، وكأن الآية لا تدع مجالًا لمعتذر عن فسخ نكاح أو إنشاء آخر بحجة خشية فوات المال ونحوه، ولما كان الأمر للمسلمين برد مهور المهاجرات إلى أزواجهن السابقين من المشركين ولم يكن لهم ما يضمن رد المشركين لمهور المشركات اللائي فك المسلمون عصمتهن أراحت الآية هؤلاء بأن جعلت لهم تعويضًا ماديًا من خزينة الدولة المسلمة مما أفاءه الله تعالى على بيت مال المسلمين من الأموال، فالمسألة أكبر من مهر امرأة وفوات زوج، ولعل المتدبر يجد المناسبة بين هذا كله وبين الأمر بتقوى الله تعالى جليةً واضحة.

ثانيًا: البيعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت