الصفحة 26 من 36

المطلب الخامس: وجوب تميُّز وتمحيص أفراد المجتمع المسلم

يمكننا القول أن مهمة الآيات السابقة من السورة تتمثل في تمايز الجماعتين المسلمة والكافرة ورسم حدود العلاقات بينهما، ولكن هل يكفي لقوة الصف المسلم أن يتميز عما هو في الخارج من جماعات أخرى، أم لا بد من تمحيص وتمييز أفراد الصف المسلم للتثبت من تحققهم بالحد الأدنى اللازم لثبوت الولاية الإيمانية لهم؟ لقد قدمت لنا هذه السورة نموذجين من نماذج هذا التمييز لأفراد المجتمع المسلم نعرضهما فيما يلي:

أولًا: الامتحان والاختبار:

إن التمحيص والامتحان أمرٌ ملازمٌ للتكليف، ولقد تقرر هذا المبدأ في هذه السورة المباركة من خلال آية الامتحان؛ فالتكليف بالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً وإلى دار الإسلام تبعًا لا بد له من ممحِّص يكشف مدى التجريد في نية المهاجر، وهذا ما تجده جليًا في قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حِلٌ لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعِصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم" [93] ، قال الإمام القرطبي رحمه الله:"لما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبيَّن أحكام مهاجرة النساء" [94] ، والحقيقة إن هذه الآية فيها الكثير من الدلالات المهمة المتعلقة بمسألة الولاء والبراء حري بنا أن نقف عندها، ولن أخوض كثيرًا في التفاصيل الفقهية المتعلقة بالنكاح لأن هذا مبسوط في موضعه ومظانه من كتب التفسير والفقه.

لقد تقدم معنا في مبحث أسباب النزول أن الله تعالى أنزل الآية آمرًا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بامتحان المؤمنات الهاجرات وأن امتحانهن كان بآية البيعة على قول أمنا عائشة رضي الله عنها - ولا معارضة في ذلك لباقي الأقوال - وإن التدبر في هذه الآية يُلجئ المرء إلى تساؤل مهم وهو: لماذا كان الامتحان مختصًا بالنساء دون الرجال؟

نقل الحافظ ابن حجر عن الإمام الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المرأة من المشركين كانت إذا غضبت على زوجها قالت: والله لأهاجرن إلى محمد، فنزلت (فامتحنوهن) [95] ، ذلك أن الرجال كانوا إذا هاجروا ترتب على هجرتهم زمرة من التكاليف كالجهاد والنصرة التي تعتبر بحد ذاتها ممحصًا وامتحانًا، فلما كانت النساء لا يترتب عليهن شيء من ذلك كان لا بد من تمحيص آخر يوزاي تمحيص الرجال بالجهاد والنصرة [96] ، ولهذا شاهد من السنة النبوية فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:"قلت: يارسول الله على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة" [97] والشاهد أن الشريعة جعلت على النساء تكاليف معينة موازية لتكاليف أخرى فرضت على الرجال لا تناسب النساء، فكان الامتحان هنا بهذه الآية إما باستحلاف النساء أو بأخذ البيعة عليهن كما تقدم معنا في معرض الحديث عن سبب نزول الآية. وهذا الامتحان امتحانٌ بأمرٍ ظاهر ينعقد به عقد الإيمان المجمل للمهاجرة الجديدة فتستحق به ما يستحقه كل مسلم من موالاة ونصرة وأخوة، ويؤخذ من هذا أن كل من ظهرت منه علامات الإسلام والإيمان الظاهرة فقد وجبت له الولاية الإيمانية العامة والنصرة الإيمانية العامة لمجرد كونه مسلمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت