سورة الممتحنة من السور المدنية كلها في قول الجميع [1] ، وهي من سور المفصل - التي هي من سورة قاف حتى نهاية المصحف [2] - ومجموع آياتها ثلاث عشرة آية. واسم السورة الممتحنة والمشهور في هذه التسمية فتح الحاء وقولٌ آخر بكسرها، فعلى فتح الحاء هي صفةٌ للمرأة التي نزلت السورة بسببها - كما سنبين لاحقًا - وعلى كسر الحاء تكون التسمية صفة للسورة نفسها [3] أي بمعنى المختبِرة [4] كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله وهذا كما قيل لسورة براءة (الفاضحة) ، ولقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن المعتمد هو الأول [5] أي بفتح الحاء.
وهذه السورة المدنية شأنها شأن السور المدنية الأخرى تعنى بتنظيم المجتمع والدولة المسلمة من خلال إرساء نظم وقواعد تسيير الدولة وتحديد علاقات ووظائف الأفراد فيها، وسن القوانين المدنية والحربية والاجتماعية والدولية وغيرها من ضروب المعاملات [6] ، والحقيقة إن المتدبر في معاني هذه السورة يجدها تتناول مجموعة من المسائل الخطيرة المتعلقة بأمن الدولة الإسلامية على الصعيدين الخارجي والداخلي؛ أما الصعيد الداخلي فمن خلال تمحيص صفات المؤمنين وتحرير بنود بيعتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم من جهة، ومن خلال تحديد العلاقة مع الأفراد غير المسلمين وحدود المعاملة معهم وضوابطها من جهة أخرى، وأما الصعيد الخارجي فمن خلال تحديد أُطر التعامل مع الغير خارج الدولة الإسلامية وسن القوانين الحافظة لأسرار الدولة وأمنها بحيث تحقق التوازن المنشود بين التواصل مع الغير والأخذ بأسباب سلامة الأمة، وإن المتدبر في أثناء هذه السورة يجد أن السلك الناظم لكل مفرداتها إنما هو الدوران حول فلك الولاء والبراء، فلقد سلكت السورة مسلكًا عجيبًا في تقرير هذه القوانين يتلخص في تشييد بنيان هذه القوانين المدنية على أساس من العقيدة الخالصة التي استغرق إرساء قواعدها ثلاث عشرة سنة دعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى تجريد التوحيد وتنقية القلب لتلقي غرسة لا إله إلا الله، فما كان أيسر البناء بعدئذ، وأنت ترى أن الدول اليوم تدور مصالحها الداخلية والخارجية على مثل هذه القوانين المتعلقة بأمن الدولة وأسس التعامل مع الغير أفرادًا ودولًا ولكنك لن تجد لأي دولة في العالم أساسًا عقديًا روحيًا يؤمن نجاح هذه القوانين والأسس كما أمنته منظومة الإسلام وهذا ما يراه المتدبر لسورة الممتحنة حيث أقامت بناء هذه المنظومة الأمنية على أساس معتقد الولاء والبراء الفريد في الإسلام كما سنبين إن شاء الله.
وإن هذه السورة العظيمة من السور التي تنزلت آياتها مرتبطة بأسباب خاصة، ولهذه الخاصية أثرٌ مهم جدًا في ترسيخ الضوابط التي سنتها هذه السورة لتكون ضوابط وقوانين عملية مباشرة التطبيق لا مجرد نظريات أمنية وقوانين مسنونة في السطور لا مكان لها في الصدور ولا أثر لها في الجوارح، وعليه فإننا سنجتهد في مطالعة أسباب النزول المتعلقة بهذه السورة لنحسن التدبر في معاني الولاء والبراء المتعلقة بها، ولكن لا بد لنا قبل ذلك من إلمامة موجزة بالمرحلة التاريخية التي تنزلت السورة فيها.
[1] الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - 46/ 18
[2] تفسير القرآن العظيم - ابن كثير- 89/ 1
[3] فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر العسقلاني - 623/ 9
[4] الجامع لأحكام القرآن - 46/ 18
[5] فتح الباري - 623/ 9
[6] مناهل العرفان - الزرقاني - 191/ 1 بتصرف