كان الفتح العظيم من الله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بصلح الحديبية سنة ست للهجرة حيث قال الله تعالى:"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا" [7] ، وكان مقتضى هذا الصلح وضع الحرب بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش عشر سنين ويدخل في ذلك من دخل في عهد أو حلف مع أي الفريقين بحيث يعتبر الاعتداء على الحليف اعتداءً على الفريق الذي حالفه، كما كان من بنود هذا الصلح أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم من فرَّ من المسلمين من قريش إليه بدون إذن وليه فيرده إلى قريش ولا عكس، ولسوف نرى تصويب الوحي لهذا البند من فوق سبع سماوات عند الكلام عن سبب نزول الآية العاشرة من السورة، ورجع المسلمون من عامهم هذا دون أن يعتمروا بالبيب الحرام - وهو ما كانوا خرجوا لأجله - وانكسرت نفوس بعض المسلمين لأجل ذلك ووهموا أن الصلح هزيمةٌ للحق وعلوٌ للباطل وكان عمر رضي الله تعالى عنه ممن أعلن بتغيظه لهذا الصلح حتى برَّد الله تعالى قلوب المؤمنين بسورة الفتح وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأقرأه إياها فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال نعم. فطابت نفسه ورجع. [8]
ومرت الأيام وأخذت تتفتق عن ثمار هذا الفتح العظيم الذي عميت عنه أبصار المسلمين بادي الرأي، ولا أطيل في هذا المقام لأنه ليس موضوعنا بل أنتقل إلى سنة ثمان للهجرة حيث كانت قبيلة خزاعة قد دخلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فحصل نقض العهد من قريش بعدئذٍ حيث أعانت بني بكر بالسلاح لَمّا أغارت بنو بكر على خزاعة، واستنصر بنو خزاعة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أتاه وفد بني خزاعة وأخبروه بما حصل من مظاهرة قريش لبني بكر عليهم، وحاولت قريش استدراك الأمر ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليهم شيئًا وكأني بلسان حاله صلى الله عليه وسلم: جوابنا ما ترون دون ما تسمعون. [9]
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يتهيأ لغزو قريش وفتح مكة شرَّفها الله تعالى، وكان صلوات الله وسلامه عليه حريصًا على إخفاء عزمه والاجتهاد في التعمية على وجهته، حتى إنه صلوات الله وسلامه عليه أرسل سريةً إلى بطن أضم في أول رمضان لينتشر خبرها ويظن السامع أنها وجهة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كله مبالغة في التخفي والتعمية وهذا من حنكته صلوات الله وسلامه عليه في الغزو. [10] ثم كان فتح مكة حيث أحلها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار وفتحت دون إراقة قطرة دم وكان وعد الله حقًا، وكان وعد الله مفعولًا.
[7] سورة الفتح - 1
[8] الرحيق المختوم - المباركفوري - 330 - 334 بتصرف
[9] السابق - 381 - 383
[10] السابق - 384 - 385